المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥٧
«يا أمير المؤمنين!»، إن العامة لا تحتمل ذلك سيما أهل خراسان، فلا تأمن أن تكون لهم نفرة، فلا تدري ما عاقبتها، الرأى أن تدع الناس على ما هم عليه فى أمر معاوية، و لا تظهر أنك تميل الى فرقة من الفرق، فركن المأمون الى قوله، فلما دخلت عليه قال: «يا ثمامة قد علمت ما كنا فيه و دبرناه في أمر معاوية، و قد عارضنا تدبير هو أصلح فى تدبير المملكة، و أبقى ذكرا فى العامة»، ثم أخبرني أن يحي بن أكثم خوفه العامة فقلت: يا أمير المؤمنين! و العامة في هذا الموضع الذي وضعها به يحي بن أكثم، و اللّه لو وجهت انسانا على عاتقه سواد و معه عصا، لساق أليك بعصاه عشرة آلاف منها، و اللّه يا أمير المؤمنين! ما رضي اللّه أن سوّاها بالأنعام، حتى جعلها أضلّ منها. فقال: «إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» [١] و اللّه يا أمير المؤمنين لقد مررت منذ أيام فى شارع، و أنا أريد الدار، فاذا انسان قد بسط كساه، و ألقى عليه أدوية و هو قائم ينادي: «هذا دواء لبياض العين و الغشاوة و الظلمة، و إن احدى عينيه لمطموسة، و الأخرى موشوكة، و الناس قد اجتمعوا، فدخلت فى غمار تلك العامة» ثم قلت: «يا هذا إن عينيك أحوج من هذه الأعين الى العلاج و أنت تصف هذا الدواء، و تخبر أنه شفاء فوجع العين فلم لا تستعمله؟» فقال:
«أنا في هذا الموضع منذ عشرين سنة، فما مر بي شيخ أجهل منك».
قلت: و كيف ذلك؟ قال: «يا جاهل! أ تدري أين اشتكت عيني» قلت:
«لا» فقال: «اشتكت بمصر عين، و اشتكت بمصر عين، و كيف ينفعها دواء بغداد؟ قال: «فأقبلت عليه الجماعة و قالوا: صدق الرجل، أنت جاهل»، فقلت: «لا و اللّه، ما علمت أن عينيه اشتكت بمصر، فما تخلصت منهم إلا بهذه الحجة». فضحك المأمون و قال: «ما لقيت العامة منكم؟» قلت: «ما لقيت من اللّه أكبر» قال: «أجل» قال القاضي عن أبي الحسن فى كتاب المشايخ: «أن سبب اتصال ثمامة بالخلفاء، أن محمد بن
لا تعمل الشيء إلا بعد مطالعته. و ولى قضاء البصرة و هو ابن ثمانى عشرة سنة، و توفى و له بضع و سبعون سنة (شذرات الذهب ج ٢ ص ١٠١).
[١] الفرقان [٤٤] .