المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٥٥
و يقال أخذه عن «الحسن بن أبي الحسن البصري». و إنما انفرد عن أصحابه بعشر قواعد:
الأولى: أن البارى تعالى عالم بعلم، و علمه ذاته، قادر بقدرة، و قدرته ذاته.
حي بحياة، و حياته ذاته.
و إنما اقتبس هذا الرأي، من الفلاسفة الذين اعتقدوا، أن ذاته واحدة، لا كثرة فيها بوجه، و إنما الصفات، ليست وراء الذات، معاني قائمة بذاته، بل هي ذاته، و ترجع إلى السلوب أو اللوازم كما سيأتي.
و الفرق بين قول القائل: (عالم بذاته لا بعلم)، و بين قول القائل: (عالم بعلم هو ذاته)، أنّ الأول نفي الصفة، و الثاني إثبات ذات هو بعينه صفة، أو إثبات صفة هي بعينها ذات [١].
و إذا أثبت «أبو الهذيل» هذه الصفات، وجوها للذات، فهي بعينها «أقانيم» النصارى، أو «أحوال» أبي هاشم [٢].
الثانية: أنه أثبت إرادات لا محل لها، يكون الباري تعالى مريدا بها.
و هو أول من أحدث هذه الماقلة، و تابعه عليها المتأخرون.
الثالثة: قال في كلام الباري تعالى. إن بعضه لا في محل، و هو قوله.
«كن»، و بعضه في محل، كالأمر، و النهي، و الخبر، و الاستخبار، و كأن أمر التكوين عنده، غير أمر التكليف.
الرابعة: قوله في «القدر» مثل ما قاله أصحابه، إلا أنه قدري الأولى، جبري الآخرة، فإن مذهبه في حركات أهل الخلدين في الآخرة، إنها كلها ضرورية، لا قدرة للعباد، و كلها مخلوقة للباري تعالى، إذ لو كانت مكتسبة للعباد لكانوا مكلفين بها.
الخامسة: قوله: إن حركات أهل الخلدين تنقطع، و إنهم يصيرون الى سكون
[١] الملل: ص ٥٣.
[٢] ليس الأمر على هذا النحو الّذي يذكره الشهرستانى، فالصفات و الأحوال تختلفان كلية عن فكرة أقانيم النصارى، و بينما تنتهى الفكرتان المعتزليتان، الى تنزيه الخالق، تهدف الفكرة المسيحية لاشراك غيره معه تعالى