المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٠٤
بالآخر.
و لكن الأسفراييني [١] يخالف قول الأشعري هذا، حيث يقول: «كان المعتزلة يكفر بعضهم بعضا، و حالهم في هذا المعنى، كما وصفه اللّه تعالى من حال الكفار، حيث قال تعالى «إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ» [٢]
و يحكى الأسفراييني: أن سبعة من رءوس القدرية تناظروا في مجلس واحد في أن اللّه تعالى، هل يقدر على ظلم و كذب يختص به؟ فافترقوا من هذا المجلس، و كل منهم كان يكفر الباقين.
و نحن نرى تعقيبا على قول الأسفراييني هذا أن الأسفراييني في قوله هذا، لا يستطيع أن يخرج، مستخلصا تكفير المعتزلة لبعضهم البعض، إذ أن هذا، لا يعني أبدا اختلافا جوهريا، فطالما أنهم جميعا متفقون في الأصول، لا يخرجون عنها، فلا خلاف بينهم، أما الخلاف في الفروع، فلا يعنى أبدا خلافا في الجوهر، أو خروجا على الاجماع. بل اننا نجد الأشعري في المقالات يقول [٣]:
«لقد تعاون المعتزلة على ما هم بسبيله، و صلة بعضهم ببعض الصلة الوثيقة العروة، و عطف بعضهم على بعض، حتى ضرب الأدباء المثل بتآلفهم».
كتب أبو محمد العلوي إلى أبي بكر الخوارزمي يقول: «إن اعتداده به اعتداد العلوي بالشيعي، و المعتزلي بالمعتزلي»
و الحقيقة أن المعتزلة، قد تناولت مسائل اللّه، و الانسان، و العالم، بالنظر العقلي الخالص، و كانت كفرقة اسلامية، و هي تبحث في هذه المباحث، لا تخرج عن الدفاع عن الاسلام، ضد الفرق الأخرى، و لم تخرج عن كونها فرق اسلامية مخلصة.
و ان كان أستاذنا الدكتور النشار، لا يرى أن المذهب المعتزلي أقرب إلى روح الاسلام، و يرى أن الأشعرية هي آخر ما وصل إليه العقل الاسلامى الناطق
[١] الأسفرايينى:
التبصير ص ٥٤.
[٢] البقرة: ١٦٦.
[٣] الأشعرى مقالات
الاسلاميين ص ٢٢.