المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥٥
ليس يخفى عليك أنّ هشاما
يتحرّى بقوله الرحمانا
تابع واصلا و عمروا فما
يغترّ في دينه و لا يتوانا
و قد تفرد هشام بمسائل سنذكرها في موضعها إن شاء اللّه تعالى.
الطبقة السابعة
أبو عبد اللّه أحمد بن داود، و آثاره مشهورة.
و من هذه الطبقة: ثمامة بن الأشرس [١]، و يكنى أبا معن النميرى. و كان واحد دهره فى العلم و الأدب، و كان جدلا حاذقا. قال أبو القسم: قال ثمامة يوما للمأمون [٢]: «أنا أبين لك القدر بحرفين، و أزيد حرفا للضعيف»- قال:
«و من الضعيف؟» قال: «يحيى بن أكثم»، قال: «هات»، قال، «لا تخلو أفعال العباد من ثلاثة أوجه، إما كلها من اللّه و لا فعل لهم، و لم يستحقوا ثوابا و لا عقابا و لا مدحا و لا ذما- أو تكون منهم و من اللّه، وجب المدح و الذم لهم جميعا- أو منهم فقط كان لهم الثواب و العقاب و المدح و الذم».
قال: «صدقت». و قال يوما للمأمون: «إذا وقف العبد بين يدي اللّه يوم القيامة، فقال اللّه تعالى: ما حملك على معصيتي؟ فيقول على مذهب الجبر: يا رب إنك خلقتني كافرا، و أمتني بما لا أقدر عليه، و حلت بيني و بين ما أمرتني به، و نهيتني عما قضيته علي، و حملتني عليه، أ ليس هو بصادق؟» قال:
«بلى»، قال: فان اللّه تعالى يقول «هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [٣]» أ فينفعه صدقه؟ قال بعض الهاشميين: و من يدعه يقول هذا أو يحتج به؟
قال ثمامة: «أ ليس إذا منعه من الكلام و الحجة، يعلم أنه منعه من ابانة عذره، أو متركه لأبان عذره؟» فانقطع. و قال أبو العتاهية يوما
[١] الثمامية: اتباع ثمامة بن الأشرس النميري، توفى سنة ٢١٣ ه و كان ثمامة زعيم القدرية، أيام المأمون و المعتصم و الواثق. و قيل أنه هو الّذي أغوى المأمون و دعاه للاعتزال.
[٢] عبد اللّه المأمون بن الرشيد بويع بالخلافة سنة ١٤٨ ه، و مات فى طرسوس سنة ٢١٨. (الفرق ص ١٨).
[٣] ١١٩ م المائدة ٥.