المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥١
الملك رجل من السمنية، و هو الذي حمله على هذه المكاتبة، فلما وصل القاضي إليه، أكرمه، و رفع مجلسه، فسأله السمني: فقال: «أخبرني عن معبودك هل هو القادر؟» قال: «نعم» قال: «أ فهو قادر على أن يخلق مثله؟» فقال القاضي: «هذه المسألة من علم الكلام، و هو بدعة، أصحابنا ينكرونه». فقال السمني: «من أصحابك؟ فقال: «فلان و فلان» ...
وعد جماعة من الفقهاء. فقال السمنى للملك: «قد كنت أعلمتك دينهم، و أخبرتك بجهلهم و تقليدهم، و غلبتهم بالسيف» .. قال: «فأمر ذلك الملك القاضي بالانصراف، و كتب معه الى الرشيد: إني كنت بدأتك بالكتاب، و أنا على غير يقين، مما حكي لي عنكم، فالآن قد تيقنت ذلك، بحضور القاضي» و حكى له في الكتاب ما جرى، فلما ورد الكتاب على الرشيد، قامت قيامته، و ضاق صدره و قال: «أ ليس لهذا الدين من يناضل عنه؟» قالوا: «بلى يا أمير المؤمنين، هم الذين نهيتهم عن الجدال في الدين، و جماعة منهم، في الحبس»، فقال: «أحضروهم»، فلما حضروا قال: «ما تقولون في هذه المسألة؟» فقال صبى من بينهم: «هذا السؤال محال، لأن المخلوق لا يكون إلا محدثا و المحدث لا يكون مثل القديم، فقد استحال أن يقال: يقدر على أن يخلق مثله، أو لا يقدر، كما استحال أن يقال، يقدر أن يكون عاجزا أو جاهلا». فقال الرشيد: «وجّهو بهذا الصبي الى السند، حتى يناظرهم»، فقالوا: «إنه لا يؤمن أن يسألوه عن غير هذا، فيجب أن توجه من يفي بالمناظرة في كل العلم». قال الرشيد: «فمن لهم؟» فوقع اختيارهم على معمر، فلما قرب من السند، بلغ خبره ملك السند، فخاف السمني أن يفتضح على يديه، و قد كان عرفه من قبل، فدس من سمه في الطريق فقتله.
قلت: و جواب الصبى الذي قدمنا حكايته، غير سديد من أحد طرفيه، لأنه قال: (يحال السؤال)، و الصحيح أنه (لا يحال) هنا بل يجاب، بأنه مستحيل لما ذكره، و المستحيل غير مقدور، و لا يستلزم تعذّره للعجز، كما سيأتي:
و كان الرشيد نهى عن الكلام، و أمر بحبس المتكلمين، حمله على ذلك قوم لم