المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٦٣
المناظرة، فلما خرجوا، قال له القاضي أحمد بن أبي داود: «إن هذا لا يحتملك على هذا الفعل، فان عزمت عليه، فلا تحضر مجلسه». فقال جعفر: «ما أريد الحضور، لو لا أنك تحملني عليه، فلما كان المجلس الثانى، نظر الواثق، ثم قال «أين الشيخ الصالح؟».
فقال ابن أبي دواد: «إن به السل، و هو يحتاج الى أن يتكئ و يضطجع» قال الواثق: «فذاك».
قيل: و جمع المأمون بين أبي الهذيل و بين زاذانبخت الثنوي، فجرت بينهما مناظرة. قال جعفر: «فبلغني المجلس لأني لم أحضر، فصرت الى زاذانبخت، فدخلت على شيخ له هيئة و جمال، فجلست إليه، و أعدت عليه المجلس، فقال: «المجلس كما بلغك، إلا أن المجلس لكم و الرئيس أمامكم، و في دون هذا، يحق الحصر و تغرب الحجة».
فقلت: فأنا أسألك عن المسألة التي سألك عنها أبو لهذيل حتى تجيبني.
فقال لي: «قبل كلى شيء، ينبغي للعاقل أن ينصف في القول، كما يجب عليه أن يحسن في الفعل». فقلت له: «صدقت، فخبرني من وعظك بهذه الموعظة: النور فهو مستغنى عنها، لأنه لا خير فى العالم إلا منه، و لا يكون منه الشر البتة، أما الظلمة فلا يكون منها الخير أبدا، و هي مطبوعة على الشر، فلا معنى لهذا الوعظ» قال: ثم قال لي: «أنت غافل عما عليك في هذا الباب إن من مذهبك، أن اللّه تعالى قد وعظ قوما، يعلم أنهم لا يتعظون، و يأمرهم بالخير، و يعلم أنهم لا يفعلون، و أرسل إليهم و يعلم أنهم يكذبون، فليس بمستنكر أن أعظ من لا يقبل الوعظ، و لا يكون منه الخير». قال جعفر: «بل أنت غافل، لأنك لا تعلم كيف قولنا، لأنا تقول: إن اللّه قد أقدر، من أمره بالخير، عليه. فهل تقول في الظلمة، أنها تفعل الاقدار على الخير؟» فقال:
«أ و ليس من مذهبكم، أن الكافر لا يقدر أن يؤمن، و المؤمن لا يقدر أن يكفر؟» قال جعفر: «ليس هذا من مذهبنا، و من قال بهذا من أمتنا، فهو شرّ حالا منك، عندنا، فانقطع و قمت».