المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٢٥
أنهما علة أو دلالة، و انما يعترض على الكلام، بالأمور التي تجرى مجرى الضرورة، فيكون كاشفا، عن خروج الدلالة، من أن تكون دلالة.
و أجاب أبو هاشم بقوله: «بأن التحدي بهذه الكتب لا يصح، لأنه لو صح لكان إنما يقع التحدي، بمعناه لا بلفظه، و معناه لا يقع على وجه يتفاضل، لأن الحساب و الهندسة لا يجريان إلا على وجه واحد، لأن أصله الضرب و القسمة، و الحال فيهما لا تختلف، و إنما يتقدم فيهما المتقدم للدربة، و فضل المحاضرة و الفطنة، فلا يصح أن تقع فيه طريقة التحدي، و ليس كذلك الكلام، لأنا قد بينا: أنه يقع في قدر الفصاحة، على مراتب و نهايات، فيصح فيه طريقة التحدي».
و يعقب القاضي بعد ذلك قائلا: «و بعد ... فان من الزم هذا السؤال، قد دل من حاله على قلة فهم، بما تقول في القرآن، لأنا بينا أولا من جهة الاضطرار كونه، و اختصاص الرسول، عليه السلام به، و بينا ما وقع فيه من التقريع و التحدي، و الحرص الشديد على إبطال حال النبي، صلّى اللّه عليه و سلم، و بينا تعذر المعارضة، بالوجوه التى بيّناها، و إنما يلزم ما سأل عنه، لو تساوى القرآن في هذه الوجوه، فمن أين أنه وقع فيه الحرص، على الحد الذي وقع في القرآن؟».
و قد يجوز أن يكون في وقت «اقليدس»، لم يكن له بما صنعه من الرئاسة، ما يقتضي التنافس و الحرص، ثم من أين أنه لم يفعل مثله، مع تجويزنا لبعد العهد، أن يكون في الزمن من كان يفوقه، و إن لم يصنف أو يكون قد صنف و لم ينقل تصنيفه، لأن بعد العهد، فيما لا تشتد الحاجة إليه، و الدواعي، تقتضي جوازا أن لا ينتقل ما جرى هذا المجرى، ثم من أين، إن لم يثبت ما ذكرنا، أن الذي صنفه انفرد به، دون أن يكون تلقنه من العلماء، و جمعه من كلامهم، كما يجمع العالم غيره، فيختص بالجمع، لا بالابداع، على ما نعلمه من حال علماء الاسلام، لأن المتعالم من حال أهل العراق في تقريع الفقه أنهم بانوا من غيرهم، لا لأنهم أبدعوا ذلك، لكنهم أخذوه عن الغير ثم بذلوا الجهد في التفريع.
و كذلك القول في «سيبويه» فيما جمعه من النحو، فاذا أمكن ذلك فمن أين أنه كالقرآن؟
و يقول أبو هاشم في «نقض الفريد»: ما يدل على أن العلم قد وقع، لمن