المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٢٤
فلو عارضت هذه الفرقة القليلة القرآن، لوجب أن يظهر آخرا، على الأيام، إن لم يظهر أولا، على أن العادة لم تجر، بأن يتمكن العاقل من فضل باهر، يساوي به من تقدم كل التقدم، و يجب كتمانه لبعض الأغراض، و أن أوجب ذلك في وقت لتقية و خوف، فلا بد من أن يجب نشره من بعد، فلا يجوز فيما حل هذا المحل، أن لا يظهر في الواحد، فكيف في الجماعة [١]
و يقول القاضى: «فلو قال معارض أ ليس القرآن نزل بلغة العرب، فلا بد من أن يكون في قدرة فصاحته عن العادة، قيل له: ليس المراد بأنه نزل بلغتهم، إلا أن الكلمات التي يشتمل القرآن عليها في لغتهم، قد تواضعوا عليها، فأما على النظام المخصوص فليس في اللغة، كما أن شعر من ابتدأ الشعر ليس في اللغة، على ذلك الحد، و إن لم يخرج عن أن يكون منطوقا، من لغة العرب، و لو جاز بمثل هذا الوجه اخراجه عن العادة، لوجب أن لا يكون للشاعر المتقدم فضله على المفحم و غيره، و لهذه العلة، و لا لمن ينسج الديباج فضله على غيره، لأن المنسوج يؤلف من الغزول المختلفة الألوان، و هذا في غاية الركاكة.
فان ردّ المعترض قائلا: أ ليس «اقليدس»، و صاحب كتاب «المجسطي»، و صاحب «العروض»، و «سيبويه» و غيرهم، قد اختصوا فيما ظهر عنهم من العلوم، بما بانوا به من غيرهم، و لم يدل ذلك على نبوتهم، و لا صلح منهم التحدي لذلك!.
فهلا وجب مثله في القرآن، و إن اختص بالمزية، لأن مزيته ليس بأكثر من مزية ما ظهر، من كتب ما ذكرناه [٢].
قلنا للمعترض: إن «أبا هاشم» أجاب عن ذلك، بان هذه المسألة توجب أن هذه الأمور معجزة، لا أنها تقدح في اعجاز القرآن، لأنا قد بينا وجه كونه دلالة و معجزا، فان كان الّذي أو ردوه بمنزلته، فيجب أن يكون معجزا، و هذه الطريقة واجبة في كل دلالة.
و المسألة: أن وجودهما يقتضي تعلق الحكم بهما، لا أنه يقدح فيما دل على
[١] المغني ١٦ ص ٢٧٣.
[٢] المغني ١٦ ص ٣٠٥