المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٣٧
فرع:
و روى أن بعض السمنية [١] قالوا لجهم بن صفوان: [٢]، «هل يخرج المعروف عن المشاعر الخمسة؟ قال: «فحدثنا عن معبودك هل عرفته بأيّها». قال: «لا» قالوا: «فهو إذا مجهول»، فسكت. و كتب بذلك الى واصل بن عطاء، فأجاب و قال: «كان يشترط وجها سادسا و هو الدليل، فتقول: لا يخرج عن المشاعر أو الدليل، فأسألهم: هل تفرّقون بين الحي و الميت؟ و العاقل و المجنون؟ فلا بد من:
«نعم». و هذا عرف بالدليل، فلما أجابهم جهم بذلك، قالوا: «ليس هذا من كلامك»، فأخبرهم، فخرجوا الى واصل و كلموه و أجابوه الى الاسلام.
و عن عمرو الباهلي، قرأت لواصل الجزء الأول من كتاب (الألف مسألة في الرد على المانوية [٣])، قال: «فأحصيت في ذلك الجزء نيفا و ثمانين مسألة».
و يقال، إنه فرغ من الرد على مخالفيه، و هو ابن ثلاثين سنة. و يقال، إن أبا
[١] السمنية، و هم القائلون بالتناسخ، قالوا: بقدم العالم، و قالوا: بإبطال النظر و الاستدلال، و زعموا أنه لا معلوم إلا من جهة الحواس الخمس، و أنكر أكثرهم المعاد، و البعث بعد الموت. و قال فريق منهم بتناسخ الأرواح، فى الصور المختلفة. و أجازوا نقل روح الانسان إلى كلب، و روح الكلب لانسان (الفرق ص ١٦٢).
[٢] جهم بن صفوان، هو الّذي قال بالإجبار، و الاضطرار إلى الأعمال، و أنكر الاستطاعة كلها، و زعم أن الجنة و النار تبيدان و تفنيان، و أن الايمان هو المعرفة باللّه تعالى فقط، و أنه لا فعل و لا عمل بغير اللّه تعالى، و انما تنسب الأعمال للمخلوقين مجازا. قتله سالم بن أحوز المازنى، فى آخر زمان بنى مروان سنة ١٢٨ ه، كما يقول ابن جرير الطبرى فى تاريخه، و قيل سنة ١٣٢ ه. (الفرق ص ١٢٨).
[٣] المانوية، هم من القائلين أيضا بالتناسخ، و ذلك أن مانى بن فاتك زعيمهم قال: «بأن الأرواح التى تفارق الأجسام نوعان، أرواح الصديقين، و أرواح أهل الضلالة. فأرواح الصديقين إذا فارقت أجسادها، سرت فى عمود الصبح إلى النور الّذي فوق الفلك، فبقيت فى ذلك العالم على السرور الدائم، و أرواح أهل الضلال، إذا فارقت الأجساد، و أرادت اللحوق بالنور الأعلى، ردّت منعكسة إلى أسفل، فتتناسخ فى أجسامها الحيوانات، إلى أن تصفو من شوائب الظلمة، ثم تلحق بالنور العالى.
و مانى هذا، مذهبه مزيج من المجوسية و النصرانية، ظهر فى عهد سابور بن أزدشير. و كان مانى هذا راهبا بحران، متفلسفا، ضاق به خلائق. و لمذهبه تأثير على صنوف المجسّمة. (يذكره البغدادى فى الفرق ص ١٦٢ مانى فقط).