المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٧٦
حظه في الدين، أنه كان مطالبا بمال من جهة السلطان، و قد غرز في أظافيره أطرف القصب.
و كان ينقض، مع ذلك، على ابن الراوندي [١] كتبه الأربعة.
و بلغ من السلطان بأصفهان المبلغ العظيم حتى كان يقال: ربما يحضر الجامع فيكون بين يديه نحو ألف رجل.
و كان يدعو اللّه أن يميته فقيرا، فحكى عمن دخل عليه في آخر عمره، و تأمل كل الذي في داره، فعساه لا تبلغ قيمته إلا الشيء اليسير.
قال القاضي: رأيت ابنته بأصفهان، و لها سن كبير، و هي على طريقة أبيها في الزهد.
و أخذ المذهب عن يحيى بن بشر الإرجائى، و قد كان ورد عليه، و كانت طريقته في الأكثر طريقة أبي الهذيل خاصة.
و من هذه الطبقة، أبو الحسن أحمد بن عمر بن عبد الرحمن البرذعي.
قال القاضي: و كان نبيلا فاضلا، ينسب إلى عباد بن سليمان، و عباد من تلامذة هشام الفوطي، و حكي عن أبي علي أنه قال: «كان أبو الحسن، إذا كلمني في الخلوة، يلين للحق، و إذا كلمني في جمع، أجده بخلاف ذلك.
و كان معظما ببغداد إذ قيل أنه سأل أبو العباس الحلبي أبا الحسن البرذعى: «ما الدليل على أن الاستطاعة قبل الفعل؟» فقال: قوله تعالى «عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ [٢]. فأخير أنه قوى قبل أن يفعل. قال الحلبى: «كذب العفريت
[١] ابن الراوندى: هو: أبو الحسين أحمد بن يحيى بن اسحاق الراوندي، كان من متكلمى المعتزلة، ثم فارقهم و صار ملحدا زنديقا، (مقدمة الانتصار للخياط). قال عنه أبو القاسم البلخي في كتاب «محاسن خراسان» أنه لم يكن في نظرائه، في زمنه، من هو أحذق منه بالكلام و لا أعرف بدقيقه و جليله. و قد حكى عن جماعة أنه تاب عند موته، و من كتبه الملعونة، كتاب يحتج فيه على الرسل، و آخر يطعن فيه على نظم القرآن، نقضه عليه الخياط و أبو على (الفهرست: ص ٤ لابن النديم».
[٢] ٣٩ ك النمل ٢٧.