المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٧٥
الكلام عليك» فقال اليهودي: «و ما يدريك ما هذا؟» فقال أبو القسم:
«أتعلم ببغداد مجلسا أجل من هذا؟» قال: «لا» قال: «أ فتعلم أحدا من المتكلمين لم يحضره؟» فقال: «لا» قال: «أ فرأيت أحدا لم يعظمني» قال: «لا»، قال: «أ فتراهم فعلوا هذا و أنا فارغ؟!» قال: «لا».
قلت: و من أحسن مناظراته ما حكاه عن نفسه، في كتابه المعروف بمقالات أبي القسم، و ذلك أنه وصل إليه رجل من السوفسطائية [١]، راكبا على بغل، فدخل عليه، فجعل ينكر الضروريات و يلصقها بالخيالات، فلما لم يكن يتمكن من حجة يقطعه، قام من المجلس، موهما أنه قام في بعض حوائجه، فأخذ البغل و ذهب إلى مكان آخر، ثم رجع لتمام الحديث، فلما نهض السوفسطائي للذهاب، و لم يكن قد انقطع بحجة عنده، طلب البغل حيث تركه، فلم يجده، فرجع إلى أبي القسم و قال: «إني لم أجد البغل» فقال أبو القسم: «لعلك تركته في غير هذا الموضع الذي طلبته فيه، و خيّل لك أنك وضعته في غيره، بل لعلك لم تأت راكبا على بغل، و إنما خيل إليك تخيلا، و جاءه بنوع من هذا الكلام، فأظن أنه ذكر أن ذلك كان سببا في رجوع السوفسطائي عن مذهبه، و توبته عنه.
و كان أبو القسم معروفا بالسخاء و الجود، و الهمة العالية، و ثبات القلب، حتى أنهم ارادوا اختبار ثبات قلبه، فرموا من مكان عال، بطشت، على غفلة، حتى تكسّر، فلم يتحرك لذلك.
و كان تولى بعض أعمال السلطان، ثم تاب من ذلك و أصلح.
و كان له الجلالة العظمى في مجالس العلماء، و توفى سنة تسع عشرة و ثلاثمائة في أيام المقتدر.
و من هذه الطبقة: أبو بكر محمد بن ابراهيم الزبيري، و من ولد الزبير بن العوام.
قال القاضى: يقال إن له ثلاثة و ثلاثين كتابا في الدقيق و الجليل، و بلغ
[١] لعله من السمنية، و نحن لا نعلم يقينا، إن كان هناك فرقة سوفسطائية خاصة في العالم الاسلامى.