المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٧٠
قال أبو الحسن: و كان أصحابنا يروون أنهم حرروا ما أملاه أبو علي، فوجدوه مائة ألف و خمسين ألف ورقة.
قال: «و ما رأيته ينظر في كتاب إلا يوما نظر في زيج الخوارزمي [١]، و رأيته يوما أخذ بيده جزءا من الجامع الكبير لمحمد بن الحسن، و كان يقول: إن الكلام أسهل شيء لأن العقل يدل عليه».
قال أبو الحسن: و كان من أحسن الناس وجها و تواضعا. و أكثرهم موعظة، فبينما هو في طلاقته، حتى ذكر الموت، فتنحدر دموعه، و يأخذ فى العظة، حتى كأنه غير ذلك الرجل. و كان إذا روى عن النبي صلّى اللّه عليه و سلم، أنه قال لعلي و الحسن و الحسين و فاطمة: «انا حرب لمن حاربكم، و سلم لمن سالمكم».
يقول: «العجب من هؤلاء النوائب، يروون هذا الحديث، ثم يقولون بمعاوية!».
و روي عن علي عليه السلام أن رجلين أتياه، فقالا: «أ تأذن لنا أن نصير إلى معاوية، فنستحله من دماء من قتلنا من أصحابه؟» فقال علي عليه السلام:
«أما أن اللّه قد أحبط عملكما بندمكما على ما فعلتما».
و روي أن أبا علي ناظر بعضهم في الإرجاء، و أبو حنيفة و الزبير [٢] حاضران، فقال أبو حنيفة: «إن أبا عمرو بن العلاء لقي عمرو بن عبيد فقال له: يا أبا عثمان إنك أعجمي، و لست بأعجمي اللسان، و لكنك أعجمي الفهم، إن العرب إذا وعدت أنجزت، و إذا وعدت أخلفت». و أنشد:
و إنّي و إن أوعدته أو وعدته
لمخلف إيعادي و منجز موعدي
فقال أبو علي: «إن أبا عثمان أجابه بالمسكت، قال له: إن الشاعر قد يكذب و يصدق. و لكن حدثني عن قول اللّه تعالى:
«لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ» [٣] إن ملأها، أ تقول صدق؟» قال: «نعم»، قال: «فان لم يملأها، أ فتقول صدق؟»، فسكت أبو حنيفة.
[١] اسم لعمل الأحكام من علم الفلك.
[٢] كذا فى الأصل، و ربما يعنى بذلك الزبيرى
[٣] ١١٩ ك هود [١١] .