المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٦٤
و يقال: إن جعفرا كان في صغره يمر على أصحاب أبي موسى، فيعبث بهم و يؤديهم، فشكوه الى أبي موسى، فقال: اجتهدوا أن تعيدوه الى مجلسي، فلما صار الى مجلسه، و سمع كلامه و نمطه، مر حتى دخل فى الماء عاريا من ثيابه، و بعث الى أبي موسى ليبعث إليه ثيابا، فلبسها، و لزم أبا موسى، فخرج في العلم بما عرف به.
و من كلامه أنه يقول: «المؤمن بمنزلة التاجر البصير، العاقل، الّذي ينظر، أيّ التجارة أربح و أسلم لبضاعته فيقصد إليها، كذلك المؤمن، لا يزال متصرفا في أعمال البرّ، فرائضها و نوافلها، و الاستعانة عليها بطلب الحلال من المعاش، مع ما قد أباح اللّه من الاستمتاع في غير محرم، ثم يكون شديد الاشفاق و الوجل، يخشى أن يكون مقصرا، و يخاف أن يكون ذلك التقصير مهلكا له عند اللّه، لأنه لا يدرى، هل أدى حقوق اللّه؟ و هل راعى حدوده؟ لعلّه قد ضيع بعض ذلك، و قصر فيه تقصيرا أسخط اللّه، أو أحبط عمله، و يرجو مع ذلك أن لا يكون كذلك، و أن يكون دأبه على التوبة و الاستغفار مما يعلم، و مما لا يعلم، من كل صغير و كبير، و لا يزال كذلك في ذلك، حتى يأتيه أمر اللّه فيصير الى أرحم الراحمين».
و الثاني: أبو محمد جعفر بن مبشر الثقفي، و كان مشهورا بالعلم و الورع.
قال الخياط: سألت جعفر بن مبشر عن قوله تعالى:
«فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» [١]، و عن الختم و الطبع فقال: «أنا مبادر الى حاجة، و لكني ألقي عليك جملة تعمل عليها: اعلم، أنه لا يجوز على أحكم الحاكمين أن يأمر بمكرمه ثم يحول دونها، و لا أن ينهى عن قاذورة ثم يدخل فيها، و تأول الآيات بعد هذا كيف شئت».
قال ابن يزداد: «و لقد بلغ في العلم و العمل هو، و جعفر بن حرب، حتى كان يضرب بهما المثل، فكان يقال: «علم الجعفرين و زهدهما»، كما يضرب المثل في حسن السيرة بالعمرين. و روي أن جعفر بن بشر، أضرت به الحاجة،
[١] ٤ ك ابراهيم ١٤.