المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٦
و سموا هؤلاء «المعتزلة» لاعتزالهم بيعة على، و يورد النصوص الكثيرة عن أبى الفداء، و الأخبار الطوال للدينوري، و الطبرى. ثم يصل نللينو فى ضوء هذه النصوص، بين المعتزلة المتكلمين، و المعتزلة السياسين، طالما كان المتكلمون قد خاصرا- و لو نظريا- فيما خاض فيه الأولون، و أرادوا اعتزال الفريقين معا- الخوارج، و السنة- و لذلك يقرر نللينو: أن المعتزلة الجدد المتكلمين، كانوا فى الأصل استمرارا- فى ميدان الفكر و النظر- المعتزلة السياسيين أو العملين.
و نحن نرى، فيما يتعلق برأى نلينو هذا، أنه: بالرغم من أن نللينو اقترب كثيرا من النتيجة الصائبة، إلا أن كثيرا من الجزئيات التى خاض فيها لم تكن صحيحة.
و عندنا فإن وضع المسألة الصحيح: أن اسم «المعتزلة» قد ظهر سياسيا- بلا شك- فى حروب على و أصحاب الجمل، و فى حروب على و معاوية، و لكنه لم يستخدم لطائفة معينة بذاتها. و ثمة نص هام عثرنا عليه تقول «من الفرق التى افترقت بعد ولاية على فرقة منهم اعتزلت مع سعد بن مالك، و سعد بن أبى وقاص، و عبد اللّه ابن عمر بن خطاب، و محمد بن سلمة الأنصارى و أسامة بن زيد بن حارثة. فإن هؤلاء اعتزلوا عليا، و امتنعوا من محاربته، و المحاربة معه، بعد دخولهم بيعته و الرضاء به، فسموا معتزلة، و صاروا أسلاف المعتزلة الى آخر الأبد، و قالوا: لا يحلل قتال على أو القتال معه. و الأحنف بن قيس قالها لقومه:
اعتزلوا الفتنة أصلح لكم.
و لا بأس أن يطلق على هؤلاء جميعا لقب المعتزلة، لكن لا يمكن اعتبار هؤلاء أسلاف المعتزلة.
و لنأخذ مثلا أبرز شخصية منهم، و هى شخصية عبد اللّه بن عمر بن الخطاب، فعبد اللّه بن عمر من أهل الحديث- أهل السنة فقط- لا يمكن اعتباره إطلاقا سلفا لواصل بن عطاء، أو لعمرو بن عبيد، بل أن عمرو بن عبيد قد هاجم عبد اللّه ابن عمر، و أعتبره حشيا و نحن ننتهى الى النتيجتين الحاسمتين الآتيتين:
الأولى: أن المعتزلة هم الذين أطلقوا على أنفسهم هذا اللقب و يؤيد هذا، ما قاله الرازى عن القاضى عبد الجبار، و هو مفكر المعتزلة الكبير: «كل ما ورد فى القرآن من لفظ الاعتزال، فان المراد منه الاعتزال عن الباطل». فعلم أن اسم الاعتزال مدح.
الثانية: أن السبب فى أنهم اعتزلوا الناس، أو أن هذا الاسم أطلق عليهم، هو عدم موافقتهم على انتقال الخلافة لمعاوية، فأصابتهم حسرة مريرة، أن يسلب الحق أهله، فابتعدوا عن المجتمع السياسى، و لجئوا للعبادة، و سرعان ما تناسوا هذا السبب السياسى فى اعتزالهم، و هم يتدارسون القرآن و التفسير. و لكن الحوادث التى كانت تحيط بهم جعلتهم يتجهون مرة أخرى للحياة السياسية و الدينية. و من هنا، و من هذا المجتمع المعتزلى، خرجت المرجئة من ناحية، و المعتزلة الكلامية من ناحية أخرى. و للشهرستانى فى كتاب الملل و النحل، إضافة فريدة فيما يتعلق بتسمية المعتزلة فيقول: و يسمون «أصحاب العدل» و «التوحيد»، و يلقبون «بالقدرية» و «العدلية». و هم قد جعلوا اللفظ «القدرية» مشتركا. و قالوا:
لفظ «القدرية» يطلق على من يقول «بالقدر» خيره و شره من اللّه تعالى، احترازا من وصمة اللقب، إذ كان الذم فيه متفقا عليه لقول النبي عليه السلام: «القدرية مجوس هذه الأمة». و كانت «الصفاتية» تعارضها، بالاتفاق. على أن «الجبرية» و «القدرية» متقابلتان تقابل التضاد، فكيف يطلق لفظ الضد على الضد؟. و قد قال النبي عليه السلام «القدرية: خصماء اللّه فى القدر»، و الخصومة فى القدر، و انقسام الخير و الشر عل فعل اللّه و فعل العبد، لن يتصور على مذهب من يقول بالتسليم و التوكل، و إحالة الأحوال كلها على القدر المحتوم، و الحكم المحكوم.