المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٥٩
و أعطاه خمسين دينارا، فدخل السوق و اشترى الدقيق و غيره، و حمله الحمالون الى داره، فأنكرت الأم ذلك، و قالت: «من أين لك هذا؟» قال: من الكراريس التي قدمتها الى، ثم اتصل بعد ذلك بابن الزيات، فأقطعه أربعمائة جريب فى الأعالى، قال الحاكم: و هي تعرف بالجاحظية الى الآن.
قال المبرد: «و سمعت الجاحظ يقول، احذر ممن تأمن، فأنك حذر ممن تخاف».
قال المبرد: قال الجاحظ يوما، أ تعرف مثل قول اسماعيل بن القسم:
و لا خير في من لا يوطّن نفسه على نائبات الدّهر حين تنوب
قلت: «نعم، قول كثيّر و منه أخذ».
فقلت لها يا عزّ كل مصيبة
إذا وطّنت يوما لها النفس ذلّت
و كان مختصا بابن الزيات، منحرفا عن أحمد بن أبي داود [١]، فلما قتل ابن الزيات، حمل الجاحظ مقيدا من البصرة، و في عنقه سلسلة، و عليه قميص سمل، فلما دخل على القاضي أحمد بن أبي دؤاد، قال القاضي له: «ما علمتك إلا متناسيا للنعمة، كفورا للصنيعة، معدنا للمساويء، و ما فتنتني باستصلاحي لك، و لكن الأيام لا تصلح منك، لسفاد طويتك، و رداءة طبيعتك، و سوء اختيارك، و غالب ضغنك».
[١] أحمد بن أبى داود: هو القاضى أحمد بن أبى داود المعتزلى، القائم بامتحان أهل الحديث فى خلق القرآن، أخذ الاعتزال عن أبى الهذيل كما يقول الملطى. توفى سنة ٢٤٠ ه. (الفرق ص ١٠٤).
و عنه يقول صاحب شذرات الذهب: توفى سنة أربعين و مائتين. أحمد بن أبى داود- على وزن فؤاد- قاضى القضاة أبو عبد اللّه الأيادى، و له ثمانون سنة.
و كان فصيحا مفوها شاعرا جوادا، و هو الّذي شغب على الإمام أحمد بن حنبل و أفتى بقتله. و كان له القبول التام عند المأمون و المعتصم، و هو أول من بدأ الخلفاء بالكلام، و كانوا لا يكلمون حتى يتكلموا.
و بسببه و فتياه امتحن الامام أحمد و أهل السنة بالضرب و الهوان على القول بخلق القرآن، و قد غضب عليه المتوكل فصادره هو و أهله. و كان بينه و بين ابن الزيات مهاجاة عظيمة (شذرات الذهب ج ٢ ص ٩٣).