المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٣٠
الطبقة الرابعة
غيلان بن مسلم الدمشقي [١] قال أبو القاسم: هو غيلان بن مروان. قال الحاكم: هو مولى لعثمان بن عفان، أخذ المذهب عن الحسن بن محمد بن الحنفية، و لم تكن مخالفته لأبيه و أخيه إلا في شيء من الإرجاء. و روى أن الحسن كان يقول إذا رأى «غيلان» في الموسم، أ ترون؟. هذا هو حجة اللّه على أهل الشام، و لكن الفتى مقتول. و كان واحد دهره في العلم و الزهد و الدعاء الى اللّه و توحيده و عدله، و قتله هشام بن عبد الملك [٢]، و قتل صاحبه صالحا و سبب قتله، أن غيلان لما كتب الى عمر بن عبد العزيز [٣] كتابا قال فيه: «أبصرت
[١] غيلان: هو ابن مسلم القبطى. أخذ مذهب القدر عن معبد، و استتابه عمر بن عبد العزيز، ثم قتله هشام بن عبد الملك. كان من بلغاء الكتاب (الفرق بين الفرق ص ١٧).
[٢] الخليفة أبو الوليد هشام بن عبد الملك الأموى توفى سنة خمس و عشرين و مائة. و كانت خلافته عشرين سنة إلا شهرا. و كانت داره عند الخواصين بدمشق، فعمل منها السلطان نصر الدين مدرسة.
و كان دا رأى و حزم و حلم و جمع للمال. عاش أربعا و خمسين سنة و كان أبيض سميا، أحول سديدا، حسن الكلام، شكس الأخلاق، شديد الجمع للمال قليل البذل و كان حازما متيقظا لا يغيب عن شيء من أمر ملكه. قال المسعودى: كان هشام أحول فظا غليظا- يجمع الأموال، و يعمر الأرض، و يستجيد الخيل، و أقام الحلبة فاجتمع له فيها من خيله و خيل غيره أربعة آلاف فرس و لم يعرف ذلك فى جاهلية و لا إسلام لأحد من الناس. (شذرات الذهب ج ١ ص ١٦٥- ١٦٦).
* أخرجه البخارى فى مواضع من صحيحه منها كتاب البيوع: باب تفسير المشبهات ٢/ ٣، ٤ و مسلم فى كتاب الرضاع: باب الولد للفراش و توقى المشبهات ٢/ ١٠٨٠ و للحديث قصة أنظرها هناك.
[٣] هو الخليفة العادل أمير المؤمنين و خامس الخلفاء الراشدين أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان الأموى، توفى فى رجب من سنة إحدى و مائة بدير سمعان بأرض المعرة و له أربعون سنة، و خلافته سنتان و ستة أشهر و أيام، كخلافة الصديق. و كان أبيض جميلا نحيف الجسم حسن اللحية بجبهته أثر حافر فرس شجه و هو صغير. حفظ القرآن فى صغره، و بعثه أبوه من مصر إلى المدينة فشفقه بها حتى بلغ مرتبة الاجتهاد. جده لأمه عاصم بن عمر بن الخطاب، و ذلك أن عمر خرج طائفا ذات ليلة، فسمع امرأة تقول لبنيّة لها: «اخلطى الماء فى اللبن». فقالت البنية: «أ ما سمعت منادى عمر بالأمس ينهى عنه» فقالت: «إن عمر لا يدرى عنك» فقالت البنية: «و اللّه ما كنت لأطيعه علانية و أعصيه سرا».
فأعجب عمر عقلها، فروجها ابنه عاصما، فهى حدة عمر بن عبد العزيز. قال عمر: إن لى نفسا ذواقة تواقة كلما ذاقت شيئا ناقت إلى ما فوقه، فلما ذاقت الخلافة و لم يكن فى الدنيا شيء فوقها تاقت نفسى إلى ما عند اللّه فى الآخرة، و ذلك لا ينال إلا بترك الدنيا و من كلامه رضى اللّه عنه ينبغى فى