المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٨
مكرهين، و لا إليها مضطرين». فقال الشيخ: «و كيف ذلك و القضاء و القدر ساقانا، و عنهما كان مسيرنا؟» فقال عليه السلام: «لعلك تظن قضاء واجبا، و قدرا حتم، لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب، و سقط الوعد و الوعيد و لما كانت تأتي من اللّه لائمة لمذنب و لا محمدة لمحسن، و لا كان المحسن بثواب الاحسان أولى من المسيء، و لا المسيء بعقوبة الذنب أولى من المحسن- تلك مقالة إخوان الشياطين، و عبدة الأوثان، و خصماء الرحمن، و شهود الزور، أهل العمى عن الصواب في الأمور، هم قدرية هذه الأمة و مجوسها، إن اللّه تعالى أمر تخييرا، و نهى تحذيرا و لم يكلف مجبرا، و لا بعث الأنبياء عبثا «ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ». فقال الشيخ: «و ما ذلك القضاء و القدر اللذان ساقانا؟» فقال: «أمر اللّه بذلك و إرادته» ثم تلا: «وَ قَضى/ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ/ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [١]». فنهض الشيخ مسرورا بما سمع، و أنشأ يقول:
أنت الامام الذي نرجو بطاعته
يوم النشور من الرحمن رضوانا
أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا
جزاك ربك بالاحسان إحسانا
و قول أبي بكر، و عبد اللّه بن مسعود [٢]، في بعض اجتهاداتهما، حيث سئل أبو بكر عن الكلالة، و ابن مسعود معن المرأة المفوضة في مهرها، فقال كل واحد منهما حين سئل: «أقول فيها برأي فان كان صوابا فمن اللّه، و إن كان خطا فمني و من الشيطان». فهذا القول يقضي بذلك، أى بالتصريح بالعدل و انكار الجبر. و تعزير عمر لمن ادعى أن سرقته كانت بقضاء اللّه، مصرح بنفي
[١] ٢٣ ك الاسراء ١٧.
[٢] عبد اللّه بن مسعود الهذلى توفى سنة اثنين و ثلاثين و هو أحد القراء الأربعة و من أهل السوابق فى الإسلام و من علماء الصحابة رضى اللّه عنهم أجمعين. هاجر الهجرتين و صلى إلى القبلتين، و شهد له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بالجنة. و سبب إسلامه أنه مر عليه النبي صلّى اللّه عليه و سلم و هو يرعى غنما بمكة لعقبة بن أبى معيط، فأخذ النبي صلّى اللّه عليه و سلم منها شاة حائلا و حلبها، فشرب و سقى أبا بكر فقال له ابن مسعود: علّمنى من هذا القول.»، فسمح رأسه و قال: «أنك عليم معلم».