المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٥٨
٣- النظامية
أصحاب «ابراهيم بن سيار بن هانئ النظام»، و قد طالع كثيرا من كتب الفلاسفة، و خلط كلامهم بكلام المعتزلة، و انفرد عن أصحابه بمسائل:
الأولى منها: أنه زاد على القول «بالقدر» خيره و شره، قوله: إن اللّه تعالى لا يوصف بالقدرة على الشرور، و المعاصي، و ليست هي مقدره للباري تعالى، خلافا لأصحابه، فإنهم قضوا بأنه قادر عليها، لكنه لا يفعلها، لأنها قبيحة.
و مذهب «النظام» أن «القبح» إذا كان صفة ذاتية للقبيح، و هو المانع من الإضافة إليه فعلا، ففي تجويز وقوع القبيح منه، «قبح» أيضا، فيجب أن يكون مانعا، ففاعل العدل لا يوصف بالقدرة على الظلم.
و زاد أيضا على ذلك فقال: إنما يقدر على فعل ما لم يعلم أن فيه صلاحا لعباده، و لا يقدر على أن يفعل بعباده في الدنيا، ما ليس فيه صلاحهم. هذا في تعلق قدرته، بما يتعلق بأمور الدنيا، و أما أمور الآخرة فقال، لا يوصف البارى تعالى بالقدرة، على أن يزيد في عذاب أهل النار شيئا، و لا على أن ينقص منه شيئا، و كذلك لا ينقص من نعيم أهل الجنة، و لا أن يخرج أحدا من أهل الجنة، و ليس ذلك مقدورا له.
فقد ألزم: عليه أن يكون الباري تعالى مطبوعا، مجبورا على ما يفعله، فإن القادر على الحقيقة، من يتخير بين الفعل و الترك.
و أجاب النظام عن هذا الإلزام: إن الذي الزمتموني في القدرة يلزمكم في الفعل، فإن عندكم يستحيل أن يفعله و إن كان مقدورا، فلا فرق، و إنما أخذ هذه المقالة من قدماء الفلاسفة، حيث قضوا بأن الجواد لا يجوز أن يدخر شيئا لا يفعله، فما أبدعه و أوجده هو المقدور، و لو كان في علمه تعالى، و مقدوره، ما هو أحسن و أكمل مما أبدعه: نظاما، و ترتيبا، و صلاحا لفعله.
الثانية: قوله في الإرادة إن الباري تعالى ليس موصوفا بها على الحقيقة، فإذا وصف بها شرعا في أفعاله، فالمراد بذلك، أنها خالقها و منشئها، على حسب ما علم، و إذا وصف بكونه مريدا لأفعال العباد، فالمعنى به، أنه آمر بها، و ناه