المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٥٦
دائم خمودا، و تجتمع الذات في ذلك السكون لأهل الجنة، و تجتمع الآلام في ذلك السكون لأهل النار.
و هذا قريب من مذهب «جهم»، إذ حكم بفناء الجنة و النار. و إنما التزم «أبو الهذيل» هذا المذهب، لأنه لما ألزم في مسألة حدوث العالم، أن الحوادث التى لا أول لها كالحوادث التي لا آخر لها، إذ كل واحدة لا تتناهى. قال:
(إني لا أقول بحركات لا تتناهى آخرا، كما لا أقول بحركات لا تتناهى أولا، بل يصيرون إلى سكون دائم). و كانه طن أن ما يلزمه في الحركة، لا يلزمه في السكون [١].
السادسة: قوله في «الاستطاعة»، إنها عرض من الأعراض، غير السلامة و الصحة، و فرّق بين أفعال القلوب و أفعال الجوارح، فقال: (لا يصح وجود أفعال القلوب منه مع عدم القدرة).
«فالاستطاعة» معها في حال العقل، و جوز ذلك في أفعال الجوارح، و قال بتقدمها، فيفعل بها في الحال الأولى، و إن لم يوجد الفعل إلا فى الحال الثانية قال: «فحال يفعل» غير «حال فعل».
ثم ما تولد من فعل العبد، فهو فعله، غير اللون و الطعم و الرائحة، و كل ما لا يعرف كيفيته.
و قال في الإدراك و العلم الحادثين في غيره، عند اسماعه و تعليمه: (إن اللّه تعالي يبدعهما فيه، و ليسا من أفعال العباد).
السابعة: قوله في «المكلف»، قبل ورود السمع. بأنه يجب عليه أن يعرف اللّه تعالى بالدليل، من غير خاطر، و إن قصّر المعرفة استوجب العقوبة أبدا، و يعلم أيضا، حسن الحسن و قبح القبيح، فيجب عليه الإقدام على «الحسن»، كالصدق و العدل، و الإعراض عن القبيح كالكذب و الجور.
و قال أيضا بطاعات لا يراد بها اللّه، و لا يقصد بها التقرب إليه، كالقصد إلى النظر الأول، و النظر الأول، فإنه لم يعرف اللّه بعد، و الفعل عبادة.
[١] الملل: ص ٥٤.