المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٣٠
بعده»، المراد به في الآخرة، عند اضلال اللّه لهم بالعقوبة، و أراد تعالى بقوله «فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ» في دار الدنيا، و تقييده بذكر اليوم يدل على ذلك، ثم بيّن أنه لو كان المراد، في وقت واحد، لم يتناقض، لأن المراد فما لهم من ولي، ينفع و ينصح و كون الشيطان وليا، لا يقتضي أن ينصر، و ينفع، و يخلص من الاضلال، فكيف تكون مناقضة. و منها ما ادعى ابن الراوندي أن قوله جل و عز: «إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً [١]»
ينقض قوله سبحانه: «اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ» [٢].
و قوله: «وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَ كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ» [٣]، و زعم أن ما يستحوذ عليه، و على قلبه، و يصده، لا يجوز أن يكون ضعيف الكيد، و أن التناقض في ذلك ظاهر.
و يقول أبو علي: إن المراد بأن كيد الشيطان ضعيف، أنه لا يقدر على أن يضر بالكافر، و إنما يوسوس و يدعو فقط، فان اتبعه لحقته المضرة، و إلا فحاله على ما كان، فهو بمنزلة فقير يوسوس إلى الغني في دفع ماله إليه، و هو يقدر على الامتناع، فان وافقه فليس ذلك لقوة كيد الفقير، لكن لضعف رأيه و اتباعه.
و هذه طريقة الكفار مع الشيطان، و إنما استحوذ عليهم، لما اتبعوه، على طريق المجاز.
و قال: «فصدّهم» لما اتبعوه، على طريق المجاز»، كما يقال في الملك العظيم، قد استحوذ و استولى عليه خادمه، و قد صدّه عن العدل و الاحسان، و ذلك لا يمنع من أنه ضعيف في نفسه و في كيده، فكذلك القول (ذكر)، و انما نبه تعالى بذلك، على ضعف الكفار، لمّا تمكّن الشيطان منهم، مع ان حاله ما وصفنا، و تركهم الحزم، عدولهم عن الصواب، و إلا فالشيطان لا يمكن
[١] ٧٦ م النساء ٤ «فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ ...»
[٢] ١٩ م المجادلة ٥٨
[٣] ٣٨ ك العنكبوت ٢٩