المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٢٨
و ذلك لأن أحدا لم تثبت حكمته، فلا يجب ان يجعل أصلا لكلام الحكيم، و لأن أحدنا قد يفعل الكلام، لاجتلاب نفع، و دفع مضرة، و لأمور تتعلق بحاجته فلا يمتنع ما ذكرته في كلامه، و إنما يمتنع ذلك، إذا كان مقصده الافادة، و هذا سبيل كلامه تعالى، لأنه إنما يفعل الخطاب للافادة، و يتعالى عن الحاجة، فلا بد في كلامه من الفائدة التى بيناها».
في بطلان طعنهم على القرآن بالتناقض و الاختلاف:
يبطل القاضي طعن من طعن على القرآن، بأن فيه تناقضا و اختلافا، فيما يتصل باللفظ، و المعنى، و المذهب.
و يقول القاضي: [١] و قد تقصّى شيخنا «أبو علي» القول في ذلك، في نقض كتاب «الدامغ» [٢] و شفى الصدر رحمة اللّه، بما أورده، و قد نبهنا على الأصل في ذلك، و لو لا أن الكلام فيه يطول لذكرنا بعضه، و الذي قدمناه في شبه المخالفين، في المخلوق و الاستطاعة، يبين فساد هذا القول، لأنهم إنما يتعلقون بمثل هذه الشبه، عند ادعائهم التناقض، و نحن نورد اليسير مما أورده «ابن الراوندي» في كتاب «الدامغ» و ادعى به المناقضة، ليعرف به سخفه، فيما ادعاه و تمرده، و تجرؤه، فالقليل من الأمور يدل على الكثير و نحيل في الباقي، على ما نقض به شيخنا «أبو علي» رضي اللّه عنه كلامه.
ادعى [٣] أن قوله تعالى: فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [٤].
مناقض لقوله تعالى: «وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ [٥]»، و قوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ» [٦]، إلى
[١] المغني ج ١٦ ص ٣٩٠
[٢] الدامغ: لابن
الراوندى و فيه يطعن في القرآن الكريم.
[٣] أي: ابن الراوندى
[٤] ١٧ ك الجاثية ٤٥
[٥] ٢٥ ك الأنعام ٦
[٦] ١٠٨ ك النحل ١٦