المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٢٧
يتضمن، مما يعتبر به التالي على جملة أو تفصيل، لم يكن يحسن التعبد به، فالكلام أبين، على أن العلم بأنه صلّى اللّه عليه و سلم، كان يظهر و يعتقد، أن القرآن يقيد و أن له معاني، مما يحصل باضطرار، فمن صدق بالرسول، و دفع ذلك، يقرب من أن يكون كافرا، و لا خلاف أيضا بين المسلمين، أن القرآن يدل على الحلال و الحرام، و الكتاب قد نطق بذلك، لأنه تعالى قال: «أَ وَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ» [١].
و قال تعالى «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [٢]»، و قال: «ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [٣]».
و قال تعالى: «وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً» [٤] و قال سبحانه: «هُدىً لِلنَّاسِ»، إلى غير ذلك مما بين به أنه يفيد، فكيف يصح مع ذلك ما قالوه!!.
و يقول القاضي: و لقد بين شيوخنا، أنه لو لم يكن له معنى، كان لا يكون معجزا، لأن اعجازه هو بما يحصل له من المزية و الرتبة، في قدر الفصاحة، و لا يكون الكلام فصيحا إلا بحسن معناه، و موقعه و استقامته كما لا يكون فصيحا إلا بجزالة لفظه، و لو أن واحدا من المتكلمين ألف من الكلام المهمل. جملة، و تكلم بها، من غير مواضعة، لم يعد من الكلام الفصيح، كما لو كان في معناه ركاكة، لم يعد منه، و كما لو رك لفظة لم يعد في ذلك، فكيف يصح لو أقر بأنه معجز، أن يزعم أنه لا معنى له و أنه لا فائدة فيه!.
و لما قدمناه كان الصحيح عندنا، انه تعالى لا يجوز أن يخاطب الملائكة بالقرآن، قبل انزاله على الرسول صلّى اللّه عليه و سلم، إلا و هم يعرفون معناه، و لهم فيه مصلحة، و لم يجز أن تكون لا فائدة فى تقديمه، تكليفهم بحمل ذلك فقط.
و يقول القاضي: «إنه ليس لأحد أن يقول، إذا جاز من الواحد منا، أن يتكلم باللغة في بعض الحالات، و إن لم يرد به معنى، فجوزوا مثله، في كلامه تعالى!.
[١] ٥١ ك العنكبوت ٢٩.
[٢] ٨٢ م النساء ٤
[٣] ٣٨ ك الانعام ٦
[٤] ٨٩ ك النحل ١٦