المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١١٩
به، و هذا مخالف لقوله تعالى «مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ» [١].
ثالثا: القول بقدم كلام اللّه، يجعله من صفاته، و المعتزلة ترد جميع الصفات للذات.
إبطال القول بأنه سبحانه متكلم بكلام قديم: [٢] يبرهن القاضي على ذلك بقوله، إن الذي يحتاج أن يتكلف بيانه، أن الكلام الذي بينا، أنه كلام من تعالى ذكره، لا يجوز أن يكون إلا محدثا.
و الذي يدل على حدوث كلامه، الذي ثبت أنه كلام له، أن الكلام على ما قدمناه، لا يكون إلا حروفا منطوقة، و أصواتا مقطوعة، و قد ثبت- فيما هذه حاله- أنه محدث، لجواز العدم عليه، على ما بيناه في حدوث الأعراض.
فاذا صح أن كلامه تعالى، من جنس هذا الكلام، فيجب استحالة قدمه، لأن كل مثلين استحال في أحدهما أن يكون قديما فيجب أن يستحيل في الآخر، لأن من حق القديم أن يكون قديما لنفسه، مما شاركه في جنسه فيجب كونه قديما. فاذا ثبت كون كلامه من جنس كلامنا، وجب القضاء بحدوثه، كما يجب القضاء بحدوث احسانه، و انعامه.
الدليل على حدوث كلامه تعالى: و ينقل القاضي الأحاديث التي رويت عن رسول اللّه عليه السلام، كدليل على حدوث القرآن فيقول:
و ما روي عن رسول صلّى اللّه عليه و سلم من قوله: «كان اللّه و لا شيء، ثم خلق الذكر».
و قوله: «ما خلق اللّه عز و جل من سماء و لا أرض أعظم من آية الكرسي في البقرة» [٣]، يدل على حدوث القرآن.
و ما روي أنه قال: «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن تناله
[١] آية ٧٨ من سورة
غافر.
[٢] المغني ج ٧ ص ٨٤ و
سبق أن توهمنا الى أن صفات الذات و أفعالها لا يصح اعتبارها قديمة أو محدثة و انما
هى مع الذات ...
[٣] أخرجه أبو عبيد و
ابن الضريس و محمد بن نصر عن ابن مسعود كذا فى الدر المنثور فى التفسير بالمأثور ١
ص ٣٢٣.