المنية و الأمل - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١١٨
و قد بينا، أن الذي به ثبت متكلما، هو حدوث الكلام من جهته، فكيف يقال أنه للنفس؟.
و لقد بين أبو هاشم [١]: أن صفات النفس فيه تعالى، يجب أن يقتضيها الفعل، أو يقتضيها ما يقتضيه الفعل، لأن ما لا يتأتى فيه ذلك، لا يصح إثباته من صفاته سبحانه، لأن طريق العلم به، إذا كان هو الفعل، فيجب أن يكون الطريق إلى ما يختص به من الصفات، و ألا يصح إثباته على صفة، لا يقتضيها الفعل على وجه، كما أن ما طريق إثباته الإدراك، لا يصح- إثباته على صفة يختص بها، إلا من جهة الإدراك. و لذلك أوجبنا إدراك الشيء، على سائر صفاته النفسية، لو حصل له صفات للنفس.
و لذلك قلنا: لو كان السواد حموضة، لوجب كونه مدركا من الوجهين، فاذا صح ذلك، و لم تقتض مجرد أفعاله كونه متكلما، و لا وقوعها على بعض الوجوه، و لا شيء من صفاته، اقتضى ذلك فيه.
فيجب إحالة القول بأنه متكلم لنفسه، على أنه لو كان متكلما لنفسه، لوجب كونه متكلما، بسائر أقسام الكلام و ضروبه، لأن ذلك مما يصح، من كل متكلم أن يتكلم به، إذا لم تكن به آفة، كما أنه إذا كان قادرا لنفسه، صح أن يقدر من كل جنس، على مثال ما يصح كونه مقدورا لغيره، و إن كان لا يجب كونه مقدورا على ما يقدر عليه غيره، و لا متكلما بنفس ما يتكلم به غيره، من حيث كان المقدور يختص بقادر دون غيره، و كذلك الكلام.
و تفارن حالهما، حال المعلوم، و لذلك أوجبنا كونه عالما بكل معلوم، من الأجناس و الأعيان، لما كان عالما لنفسه.
و لم نوجب كونه قادرا على كل عين، و إن كان قادرا لنفسه. و إذا صح ذلك، فيجب أن يكون متكلما بالكذب، و الصدق، و الأمر بالقبيح، و النهي.
عن الحسن و يخبر عن كل ما يصح الإخبار عنه، و يأمر بكل ما يصح الأمر به.
و هذا شيء متى قيل به، أدى إلى الخروج من الدين، و ألا يوثق بكتاب و لا شرح، و لا خبر عن كل ما يصح الأخبار عنه، و لا أمر بكل ما يصح الأمر
[١] أبو هاشم: عبد
السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائى.