أربع رسائل - البلاغي، الشيخ محمد جواد - الصفحة ١٥٤
دفعـةً واحـدة! فأردت أن أمتحـنه وأسـتعلم الحال، فقلت له: إنّ معي مكتوباً ضئيل الكتابة جدّاً فهل تقدر على قراءته؟
فقال: هل في قراءة الكـتابة عجب؟!
قلت: هل معك نظّارة مكـبّرة؟ فإنّ معي خاتماً ضئيل الكـتابة جدّاً.
فأخذه وقرأه من دون نظّارة! وأجريت معه من هذا القبيل امتحانات كثيرة، وهو في جميع ذلك يبصر إبصاراً حسناً!
وقال: هل عندك فوق هذا ممّا تمتحن به بصري؟! لماذا لا أُبصـر أمثال هذه؟! والحال أنّ عينَيَّ صحيحتان قويّتان، والجوّ صاف منير، والشمس مشرقة في وسط السماء قريب الهاجِـرة[١]!
فقلت له: إذاً كيف قلت قبل سويعة: إنّي لا أرى لي أباً، ولا أرى شمساً؟!
فقال: دع عنك هذه الأقاويل التي تريد أن تكـدّر بها صفاء لذّاتي وحرّيّتي في شهواتي.. أنا ليس لي أب! خرجت من ثقب الجدار! اتركني لحالي لكي أنال لذّاتي براحة فكر، من دون تصوّر تهديد وعراقيل مكـدّرة لعيش الأهواء.
[١] الهاجرة: نصف النهار عند اشـتداد الحرّ ; انظر: لسان العرب ١٥ / ٣٤ مادّة " هجر ".