الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٤٢ - ٢- عبد المطلب
هذا أمر خصصت به، فلم يتركوه حتى خرجوا به للمحاكمة إلى كاهنة بني سعد، و لم يرجعوا حتى أراهم اللّه في الطريق ما دلهم على تخصيص عبد المطلب بزمزم، و حينئذ نذر عبد المطلب لئن آتاه اللّه عشرة أبناء، و بلغوا أن يمنعوه لينحرن أحدهم عند الكعبة.
و خلاصة الثاني أن أبرهة الصباح الحبشي، النائب العام عن النجاشي على اليمن، لما رأى العرب يحجون الكعبة بنى كنيسة كبيرة بصنعاء، و أراد أن يصرف حج العرب إليها، و سمع بذلك رجل من بني كنانة، فدخلها ليلا فلطخ قبلتها بالعذرة. و لما علم أبرهة بذلك ثار غيظه، و سار بجيش عرمرم- عدده ستون ألف جندي- إلى الكعبة ليهدمها، و اختار لنفسه فيلا من أكبر الفيلة، و كان في الجيش ٩ فيلة أو ١٣ فيلا، و واصل سيره حتى بلغ المغمس، و هناك عبأ جيشه، و هيأ فيله، و تهيأ لدخول مكة، فلما كان في وادي محسر بين المزدلفة و منى برك الفيل، و لم يقم ليقدم إلى الكعبة، و كانوا كلما وجهوه إلى الجنوب أو الشمال أو الشرق يقوم يهرول، و إذا صرفوه إلى الكعبة برك، فبينا هم كذلك إذ أرسل اللّه عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ، و كانت الطير أمثال الخطاطيف و البلسان، مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجر في منقاره، و حجران في رجليه أمثال الحمص، لا تصيب منهم أحدا إلا صار تتقطع أعضاؤه، و هلك، و ليس كلهم أصابت، و خرجوا هاربين يموج بعضهم في بعض فتساقطوا بكل طريق، و هلكوا على كل منهل، و أما أبرهة فبعث اللّه عليه داء تساقطت بسببه أنامله، و لم يصل إلى صنعاء، إلا و هو مثل الفرخ، و انصدع صدره عن قلبه ثم هلك.
و أما قريش فكانوا قد تفرقوا في الشعاب و تحرزوا في رءوس الجبال، خوفا على أنفسهم من معرة الجيش، فلما نزل بالجيش ما نزل رجعوا إلى بيوتهم آمنين [١].
و كانت هذه الوقعة في شهر المحرم قبل مولد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) بخمسين يوما أو بخمسة و خمسين يوما- عند الأكثر- و هو يطابق أواخر فبراير أو أوائل مارس سنة ٥٧١ م، و كانت تقدمة قدمها اللّه لنبيه و بيته، لأنا حين ننظر إلى بيت المقدس نرى أن المشركين من أعداء اللّه تسلطوا على هذه القبلة، و أهلها مسلمون كما وقع لبختنصر سنة ٥٨٧ ق. م، و الرومان سنة ٧٠ م، و لكن الكعبة لم يسيطر عليها النصارى- و هم المسلمون إذ ذاك- مع أن أهلها كانوا مشركين.
[١] ابن هشام ١/ ٤٣ إلى ٥٦، تفهيم القرآن ٦٦/ ٤٦٢ إلى ٤٦٩.