الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٣٠ - ٦- و كانت منها البحيرة و السائبة و الوصيلة و الحامي
الجن يلقي عليه الأخبار، و منهم من يدعي إدراك الغيب بفهم أعطيه، و منهم من يدعي معرفة الأمور بمقدمات و أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، و هذا القسم يسمى عرافا، كمن يدعي معرفة المسروق و مكان السرقة و الضالة و نحوهما.
و المنجّم: من ينظر في النجوم أي الكواكب، و يحسب سيرها و مواقيتها، ليعلم بها أحوال العالم و حوادثه التي تقع في المستقبل [١] و التصديق بأخبار المنجمين هو في الحقيقة إيمان بالنجوم، و كان من إيمانهم بالنجوم الإيمان بالأنواء، فكانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا و كذا [٢].
و كانت فيهم الطّيرة (بكسر ففتح) و هي التشاؤم بالشيء، و أصله أنهم كانوا يأتون الطير أو الظبي فينفرونه، فإن أخذ ذات اليمين مضوا إلى ما قصدوا، و عدوه حسنا، و إن أخذ ذات الشمال انتهوا عن ذلك و تشاءموا، و كانوا يتشاءمون كذلك إن عرض الطير أو الحيوان في طريقهم.
و يقرب من هذا تعليقهم كعب الأرنب، و التشاؤم ببعض الأيام و الشهور و الحيوانات و الدور و النساء، و الاعتقاد بالعدوى و الهامة، فكانوا يعتقدون أن المقتول لا يسكن جأشه ما لم يؤخذ بثأره، و تصير روحه هامة أي بومة تطير في الفلوات و تقول: صدى صدى أو اسقوني اسقوني، فإذا أخذ بثأره سكن و استراح [٣].
كان أهل الجاهلية على ذلك و فيهم بقايا من دين إبراهيم و لم يتركوه كله، مثل تعظيم البيت و الطواف به، و الحج، و العمرة، و الوقوف بعرفة، و المزدلفة و إهداء البدن، نعم ابتدعوا في ذلك بدعا.
منها أن قريشا كانوا يقولون: نحن بنو إبراهيم و أهل الحرم، و ولاة البيت و قاطنو مكة، و ليس لأحد من العرب مثل حقنا و منزلتنا- و كانوا يسمون أنفسهم الحمس- فلا ينبغي لنا أن نخرج من الحرم إلى الحل، فكانوا لا يقفون بعرفة، و لا يفيضون منها و إنما كانوا يفيضون من المزدلفة و فيهم أنزل: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ [البقرة:
١٩٩] [٤].
[١] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٢/ ٢، ٣.
[٢] أنظر صحيح مسلم مع شرحه للنووي، باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء، من كتاب الإيمان ١/ ٥٩.
[٣] انظر صحيح البخاري ٢/ ٨٥١، ٨٥٧ مع حواشيه للشيخ أحمد علي السهارنفوري.
[٤] ابن هشام ١/ ١٩٩، صحيح البخاري ١/ ٢٢٦.