الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٧٧ - الاضطهادات
يضحكون، و يحيل بعضهم على بعض- أي: يتمايل بعضهم على بعض مرحا و بطرا-، و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ساجد، لا يرفع رأسه حتى جاءته فاطمة، فطرحته عن ظهره، فرفع رأسه، ثم قال: اللهم عليك بقريش ثلاث مرات، فشق ذلك عليهم إذ دعا عليهم، و قال: و كانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة، ثم سمى اللهم عليك بأبي جهل، و عليك بعتبة بن ربيعة، و شيبة بن ربيعة، و الوليد بن عتبة. و أمية بن خلف، و عقبة بن أبي معيط- وعد السابع فلم يحفظه- فو الذي نفسي بيده لقد رأيت الذي عدّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) صرعى في القليب، قليب بدر [١].
و كان أمية بن خلف إذا رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) همزه و لمزه. و فيه نزل: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ قال ابن هشام: الهمزة: الذي يشتم الرجل علانية، و يكسر عينيه، و يغمز به.
و اللمزة: الذي يعيب الناس سرا و يؤذيهم [٢].
أما أخوه أبيّ بن خلف فكان هو و عقبة بن أبي معيط متصافيين. و جلس عقبة مرة إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و سمع منه، فلما بلغ ذلك أبيا أنّبه و عاتبه و طلب منه أن يتفل في وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ففعل. و أبيّ بن خلف نفسه فت عظاما رميما ثم نفخه في الريح نحو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) [٣].
و كان الأخنس بن شريق الثقفي ممن ينال من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و قد وصفه القرآن بتسع صفات تدل على ما كان عليه، و هي في قوله تعالى: وَ لا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ [القلم: ١٠- ١١- ١٢- ١٣].
و كان أبو جهل يجيء أحيانا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يسمع منه القرآن، ثم يذهب عنه فلا يؤمن و لا يطيع، و لا يتأدب و لا يخشى، و يؤذي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالقول، و يصد عن سبيل اللّه، ثم يذهب مختالا بما يفعل، فخورا بما ارتكب من الشر، كأنما فعل شيئا يذكر، و فيه نزل: فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى إلخ [٤] و كان يمنع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) عن الصلاة منذ أول يوم رآه يصلي في الحرم، و مرة مر به و هو يصلي عند المقام فقال: يا محمد أ لم أنهك عن هذا،
[١] صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب إذا ألقى على المصلي قذر أو جيفة ١/ ٣٧.
[٢] ابن هشام ١/ ٣٥٦، ٣٥٧.
[٣] نفس المصدر ١/ ٣٦١، ٣٦٢.
[٤] في ظلال القرآن ٢٩/ ٢١٢.