الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٧٨ - الاضطهادات
و توعده فأغلظ له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و انتهره. فقال: يا محمد بأي شيء تهددني؟ أما و اللّه إني لأكثر هذا الوادي ناديا. فأنزل فَلْيَدْعُ نادِيَهُ [١] و في رواية أن النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) أخذ بخناقه، و هزه، و هو يقول له: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى. ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى فقال عدو اللّه: أ توعدني يا محمد؟ و اللّه لا تستطيع أنت و لا ربك شيئا، و إني لأعز من مشى بين جبليها [٢].
و لم يكن أبو جهل ليفيق من غباوته بعد هذا الانتهار، بل ازداد شقاوة فيما بعد.
أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ فقيل:
نعم! فقال: و اللات و العزى، لئن رأيته لأطأن على رقبته و لأعفرن وجهه، فأتى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو يصلي، زعم ليطأ رقبته، فما فجأهم إلا و هو ينكص على عقبية و يتقي بيديه، فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني و بينه لخندقا من نار و هولا، و أجنحة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا [٣].
كانت هذه الاعتدءات بالنسبة إلى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) مع ما لشخصيته الفذة من وقار و جلال في نفوس العامة و الخاصة، و مع ما له من منعة أبي طالب أعظم رجل محترم في مكة، أما بالنسبة إلى المسلمين- و لا سيما الضعفاء منهم- فإن الإجرءات كانت أقسى من ذلك و أمر، ففي نفس الوقت قامت كل قبيلة تعذب من دان منها بالإسلام أنواعا من التعذيب، و من لم يكن له قبيلة فأجرت عليهم الأوباش و السادات ألوانا من الاضطهاد، يفزع من ذكرها قلب الحليم.
كان أبو جهل إذا سمع برجل قد أسلم له شرف و منعة أنبه و أخزاه، و أوعده بإبلاغ الخسارة الفادحة في المال، و الجاه، و إن كان ضعيفا ضربه و أغرى به [٤].
و كان عم عثمان بن عفان يلفه في حصير من أوراق النخيل ثم يدخنه من تحته [٥].
و لما علمت أم مصعب بن عمير بإسلامه أجاعته و أخرجته من بيته، و كان من أنعم الناس عيشا، فتخشف جلده تخشف الحية [٦].
و كان بلال مولى أمية بن خلف الجمحي، فكان أمية يضع في عنقه حبلا، ثم يسلمه إلى الصبيان، يطوفون به في جبال مكة، حتى كان يظهر أثر الحبل في عنقه، و كان أمية
[١] نفس المصدر ٣٠/ ٢٠٨.
[٢] نفس المصدر ٢٩/ ٣١٢.
[٣] رواه مسلم في صحيحه.
[٤] ابن هشام ١/ ٣٢٠.
[٥] رحمة للعالمين (١/ ٥٧.
[٦] نفس المصدر ١/ ٥٨، و تلقيح فهوم أهل الأثر ص ٦٠.