الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٤٤٤ - كمال النفس و مكارم الأخلاق
أو عرفا قط، و في رواية: ما شممت عنبرا قط و لا مسكا و لا شيئا أطيب من ريح أو عرف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) [١].
و قال أبو جحيفة: أخذت بيده، فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، و أطيب رائحة من المسك [٢].
و قال جابر بن سمرة- و كان صبيا-: مسح خدي فوجدت ليده بردا أو ريحا كأنما أخرجها من جونة عطار [٣].
و قال أنس: كأن عرقه اللؤلؤ. و قالت أم سليم: هو من أطيب الطيب [٤].
و قال جابر: لم يسلك طريقا فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرفه، أو قال: من ريح عرقه [٥].
و كان بين كتفيه خاتم النبوة مثل بيضة الحمامة، يشبه جسده، و كان عند ناغض كتفه اليسرى، جمعا عليه خيلان كأمثال الثآليل [٦].
كمال النفس و مكارم الأخلاق
كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) يمتاز بفصاحة اللسان، و بلاغة القول، و كان من ذلك بالمحل الأفضل، و الموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، و نصاعة لفظ، و جزالة قول، و صحة معان، و قلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، و خص ببدائع الحكم، و علم ألسنة العرب، يخاطب كل قبيلة بلسانها، و يحاورها بلغتها، اجتمعت له قوة عارضة البادية و جزالتها، و نصاعة ألفاظ الحاضرة و رونق كلامها، إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي.
و كان الحلم و الاحتمال، و العفو عند المقدرة، و الصبر على المكاره، صفات أدبه اللّه بها، و كل حليم قد عرفت منه زلة، و حفظت عنه هفوة، و لكنه (صلّى اللّه عليه و سلم) لم يزد مع كثرة الأذى إلا صبرا، و على إسراف الجاهل إلا حلما، قالت عائشة: ما خير رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بين أمرين إلا
[١] صحيح البخاري ١/ ٥٠٣، صحيح مسلم ٢/ ٢٥٧.
[٢] صحيح البخاري ١/ ٥٠٢.
[٣] صحيح مسلم ٢/ ٢٥٦. جونة عطار: التي يعد فيه الطيب و يحرز.
[٤] نفس المصدر.
[٥] رواه الدارمي ... مشكاة المصابيح ٢/ ٥١٧.
[٦] صحيح مسلم ٢/ ٢٥٩، ٢٦٠. الثآليل: هو هذه الحبة التي تظهر في الجلد كالحمصة فما دونها.