الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٤٣٩ - ١١- ميمونة بنت الحارث
عائشة: إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين، و ما أوقدت في أبيات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) نار. فقال لها عروة: ما كان يعشيكم؟ قالت: الأسودان؛ التمر و الماء [١].
و الأخبار بهذا الصدد كثيرة.
و مع هذا الشظف و الضيق لم يصدر منهن ما يوجب العتاب إلا مرة واحدة- حسب مقتضى البشرية، و ليكون سببا لتشريع الأحكام- فأنزل اللّه آية التخيير يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا، وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [الأحزاب: ٢٨، ٢٩] و كان من شرفهن و نبلهن أنهن آثرن اللّه و رسوله، و لم تمل واحدة منهن إلى اختيار الدنيا.
و كذلك لم يقع منهن ما يقع بين الضرائر مع كثرتهن إلا شيء يسير من بعضهن حسب اقتضاء البشرية، ثم عاتب اللّه عليه فلم يعدن له مرة أخرى، و هو الذي ذكره اللّه في سورة التحريم بقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ إلى تمام الآية الخامسة.
و أخيرا أرى أنه لا حاجة إلى البحث في موضوع مبدأ تعدد الزوجات، فمن نظر في حياة سكان أوروبا الذين يصدر منهم النكير الشديد على هذا المبدأ، و نظر إلى ما يقاسون من الشقاوة و المرارة، و ما يأتون من الفضائح و الجرائم الشنيعة، و ما يواجهون من البلايا و القلاقل لانحرافهم عن هذا المبدأ كفى له ذلك عن البحث و الاستدلال، فحياتهم أصدق شاهد على عدالة هذا المبدأ، و إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار.
[١] نفس المصدر و الصفحة.