الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٤١ - ٢- عبد المطلب
إنما يمضي إلى ملك أبيه، و إلى حرم اللّه، فأذنت له، فقدم به مكة مردفه على بعيره، فقال الناس: هذا عبد المطلب، فقال: و يحكم إنما هو ابن أخي هاشم ... فأقام عنده حتى ترعرع، ثم إن المطلب هلك بردمان من أرض اليمن، فولى بعده عبد المطلب، فأقام لقومه ما كان آباؤه يقيمون لقومهم، و شرف في قومه شرفا لم يبلغه أحد من آبائه، و أحبه قومه، و عظم خطره فيهم [١].
و لما مات المطلب وثب نوفل على أركاح عبد المطلب فغصبه إياها، فسأل رجالا من قريش النصرة على عمه، فقالوا: لا ندخل بينك و بين عمك. فكتب إلى أخواله من بني النجار أبياتا يستنجدهم، و سار خاله أبو سعد بن عدي في ثمانين راكبا، حتى نزل بالأبطح من مكة، فتلقاه عبد المطلب، فقال: المنزل، يا خال! فقال: لا و اللّه حتى ألقى نوفلا، ثم أقبل فوقف نوفل، و هو جالس في الحجر مع مشايخ قريش، فسل أبو سعد سيفه و قال:
و رب البيت لئن لم ترد على ابن أختي أركاحه لأمكنن منك هذا السيف، فقال: رددتها عليه، فأشهد عليه مشايخ قريش، ثم نزل على عبد المطلب، فأقام عنده ثلاثا، ثم اعتمر و رجع إلى المدينة، فلما جرى ذلك حالف نوفل بني عبد شمس بن عبد مناف على بني هاشم، و لما رأت خزاعة نصر بني النجار لعبد المطلب قالوا: نحن ولدناه كما ولدتموه، فنحن أحق بنصره- و ذلك أن أم عبد مناف منهم- فدخلوا دار الندوة، و حالفوا بني هاشم على بني عبد شمس و نوفل، و هذا الحلف الذي صار سببا لفتح مكة كما سيأتي [٢].
و من أهم ما وقع لعبد المطلب من أمور البيت شيئان [٣]:
حفر بئر زمزم و وقعة الفيل.
و خلاصة الأول أنه أمر في المنام بحفر زمزم و وصف له موضعها، فقام يحفر، فوجد فيه الأشياء التي دفنها الجراهمة حين لجئوا إلى الجلاء، أي السيوف و الدروع و الغزالين من الذهب، فضرب الأسياف بابا للكعبة، و ضرب في الباب الغزالين، و أقام سقاية زمزم للحجاج.
و لما بدت بئر زمزم نازعت قريش عبد المطلب، و قالوا له: أشركنا قال ما أنا بفاعل،
[١] ابن هشام ١/ ١٣٧، ١٣٨.
[٢] مختصر سيرة الرسول للشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي ص ٤١، ٤٢.
[٣] ابن هشام: ١/ ١٤٢- ١٤٧.