الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٣٣٠ - ٨- الكتاب إلى ملك عمان
و لكن أخي أضن بملكه من أن يدعه و يصير ذنبا، قلت: إنه إن أسلم ملكه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على قومه. فأخذ الصدقة من غنيهم فيردها على فقيرهم، قال: إن هذا لخلق حسن. و ما الصدقة؟ فأخبرته بما فرض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في الصدقات في الأموال حتى انتهيت إلى الإبل. قال: يا عمرو، و تؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر و ترد المياه؟ فقلت:
نعم، فقال: و اللّه ما أرى قومي في بعد دارهم و كثرة عددهم يطيعون لهذا. قال: فمكثت ببابه أياما، و هو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبري، ثم إنه دعاني يوما فدخلت عليه، فأخذ أعوانه بضبعي، فقال: دعوه، فأرسلت، فذهبت لأجلس، فأبوا أن يدعوني أجلس، فنظرت إليه فقال: تكلم بحاجتك، فدفعت إليه الكتاب مختوما، ففض خاتمه، و قرأ حتى انتهى إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته، إلا أني رأيت أخاه أرق منه، قال: أ لا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟ فقلت: تبعوه إما راغب في الدين، و إما مقهور بالسيف.
قال: و من معه؟ قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام و اختاروه على غيره، و عرفوا بعقولهم مع هدى اللّه إياهم أنهم كانوا في ضلال، فلما أعلم أحدا بقي غيرك في هذه الخرجة، و أنت إن لم تسلم اليوم و تبعته توطئك الخيل و تبيد خضراءك، فأسلم تسلم، و يستعملك على قومك، و لا تدخل عليك الخيل و الرجال قال: دعني يومي هذا، و ارجع إلى غدا.
فرجعت إلى أخيه فقال: يا عمرو، إني لأرجو أن يسلم إن لم يضن بملكه. حتى إذا كان الغد أتيت إليه، فأبى أن يأذن لي، فانصرفت إلى أخيه، فأخبرته أني لم أصل إليه، فأوصلني إليه، فقال: إني فكرت فيما دعوتني إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما في يدي، و هو لا تبلغ خيله هاهنا، و إن بلغت خيله لقت قتالا ليس كقتال من لاقى.
قلت: أنا خارج غدا، فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه، فقال: ما نحن فيما ظهر عليه، و كل من أرسل إليه قد أجابه، فأصبح فأرسل إلي، فأجاب إلى الإسلام هو و أخوه جميعا، و صدقا النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) و خليا بيني و بين الصدقة، و بين الحكم فيما بينهم، و كانا لي عونا على من خالفني [١].
و سياق هذه القصة تدل على أن إرسال الكتاب إليهما تأخر كثيرا عن كتب بقية الملوك، و الأغلب أنه كان بعد الفتح.
و بهذه الكتب كان النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) قد أبلغ دعوته إلى أكثر ملوك الأرض. فمنهم من آمن به و منهم من كفر. و لكن شغل فكره هؤلاء الكافرين، و عرف لديهم باسمه و دينه.
[١] زاد المعاد ٣/ ٦٢، ٦٣.