الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٣٢ - ٦- و كانت منها البحيرة و السائبة و الوصيلة و الحامي
اليهود رحلت إلى الحجاز، و استقرت في يثرب و خيبر و تيماء، و أنشأت فيها القرى و الآطام و القلاع، و انتشرت الديانة اليهودية بين قسم من العرب عن طريق هؤلاء المهاجرين، و أصبح لها شأن يذكر في الحوادث السياسية التي سبقت ظهور الإسلام، و التي حدثت في صدره. و حينما جاء الإسلام كانت القبائل اليهودية المشهورة هي: خيبر و النضير و المصطلق و قريظة و قينقاع، و ذكر السمهودي في وفاء الوفا (ص ١١٦) أن عدد القبائل اليهودية يزيد على عشرين [١].
و دخلت اليهودية في اليمن من قبل تبان أسعد أبي كرب، فإنه ذهب مقاتلا إلى يثرب و اعتنق هناك اليهودية و جاء بحبرين من بني قريظة إلى اليمن، فأخذت اليهودية إلى التوسع و الانتشار فيها، و لما ولي اليمن بعده ابنه يوسف ذو نواس هجم على المسيحيين من أهل نجران و دعاهم إلى اعتناق اليهودية، فلما أبوا خدّ لهم الأخدود، و أحرقهم بالنار، و لم يفرق بين الرجل و المرأة و الأطفال الصغار و الشيوخ الكبار، و يقال إن عدد المقتولين ما بين عشرين ألفا إلى أربعين ألفا، وقع ذلك في أكتوبر سنة ٥٢٣ م [٢]. و قد أورد القرآن جزءا من هذه القصة في سورة البروج.
أما الديانة النصرانية فقد جاءت إلى بلاد العرب عن طريق احتلال الحبشة و الرومان، و كان أول احتلال الحبشة لليمن سنة ٣٤٠ م، و استمر إلى سنة ٣٧٨ م [٣]، و في ذلك الزمان دخل التبشير المسيحي في ربوع اليمن، و بالقرب من هذا الزمان دخل رجل زاهد مستجاب الدعوات و صاحب كرامات- و كان يسمى فيميون- إلى نجران، و دعاهم إلى الدين المسيحي، و رأى أهل نجران من أمارات صدقه و صدق دينه ما لبوا لأجله المسيحية و اعتنقوها [٤].
و لما احتلت الأحباش اليمن كرد فعل لما أتاه ذو نواس، و تمكن أبرهة من حكومتها؛ أخذ ينشر الديانة المسيحية بأوفر نشاط، و أوسع نطاق، حتى بلغ من نشاطه أنه بنى كعبة باليمن، و أراد أن يصرف حج العرب إليها، و يهدم بيت اللّه الذي بمكة، فأخذه اللّه نكال الآخرة و الأولى.
[١] قلب جزيرة العرب، ص ١٥١.
[٢] تفهيم القرآن ٦/ ٢٩٧، ٢٩٨، و ابن هشام ١/ ٢٠، ٢١، ٢٢، ٢٧، ٣١، ٣٥، ٣٦.
[٣] تفهيم القرآن ٦/ ٢٩٧.
[٤] انظر في ذلك مفصلا ابن هشام ١/ ٣١، ٣٢، ٣٣، ٣٤.