الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ٢٦٨ - غزوة بني النضير
أصحابه، و إذا معهما عهد من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لم يشعر به، فلما قدم أخبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بما فعل، فقال: لقد قتلت قتيلين لأدينهما و انشغل بجمع دياتهم من المسلمين و حلفائهم اليهود [١]، و هذا الذي صار سببا لغزوة بني النضير كما سيذكر.
و قد تألم النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) لأجل هذه المأساة، و لأجل مأساة الرجيع اللتين وقعتا خلال أيام معدودة [٢] تألما شديدا، و تغلب عليه الحزن و القلق [٣]، حتى دعا على هؤلاء القوم و القبائل التي قامت بالغدر و الفتك في أصحابه، ففي الصحيح عن أنس قال: دعا النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) على الذين قتلوا أصحابه ببئر معونة ثلاثين صباحا، يدعو في صلاة الفجر على رعل و ذكوان و لحيان و عصية، و يقول: عصية عصت اللّه و رسوله، فأنزل اللّه تعالى على نبيه قرآنا قرأناه حتى نسخ بعد: «بلغوا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا و رضينا عنه» فترك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قنوته [٤].
غزوة بني النضير
قد أسلفنا أن اليهود كانوا يتحرقون على الإسلام و المسلمين، إلا أنهم لم يكونوا أصحاب حرب و ضرب، بل كانوا أصحاب دس و مؤامرة، فكانوا يجاهرون بالحقد و العداوة، و يختارون أنواعا من الحيل، لإيقاع الإيذاء بالمسلمين دون أن يقوموا للقتال، مع ما كان بينهم و بين المسلمين من عهود و مواثيق، و أنهم بعد وقعة بني قينقاع، و قتل كعب بن الأشرف خافوا على أنفسهم، فاستكانوا و التزموا الهدوء و السكوت.
و لكنهم بعد وقعة أحد تجرءوا، فكاشفوا بالعداوة و الغدر، و أخذوا يتصلون بالمنافقين و بالمشركين من أهل مكة سرا، و يعملون لصالحهم ضد المسلمين [٥].
و صبر النبي (صلّى اللّه عليه و سلم)، حتى ازدادوا جرأة و جسارة بعد وقعة الرجيع و بئر معونة، حتى قاموا بمؤامرة تهدف القضاء على النبي (صلّى اللّه عليه و سلم).
و بيان ذلك أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) خرج إليهم في نفر من أصحابه، و كلمهم أن يعينوه في دية
[١] انظر ابن هشام ٢/ ١٨٣ إلى ١٨٨، و زاد المعاد ٢/ ١٠٩، ١١٠، صحيح البخاري ٢/ ٥٨٤، ٥٨٦.
[٢] ذكر الواقدي أن خبر أصحاب الرجيع و خبر أصحاب بئر معونة أتى النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) في ليلة واحدة.
[٣] روى ابن سعد عن أنس ما رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة «مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد اللّه النجدي ص ٢٦٠».
[٤] البخاري ٢/ ٥٨٦، ٥٨٧، ٥٨٨.
[٥] يؤخذ ذلك مما رواه أبو داود في باب خبر النضير ٣/ ١١٦، ١١٧ «عون المعبود شرح سنن أبي داود».