الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٥٦ - في الطريق إلى المدينة
التي كانت عنده للناس، ثم هاجر ماشيا على قدميه، حتى لحقهما بقباء، و نزل على كلثوم بن الهدم [١].
و أقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بقباء أربعة أيام: الاثنين و الثلاثاء و الأربعاء و الخميس [٢]. و أسس مسجد قباء و صلى فيه، و هو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة، فلما كان اليوم الخامس- يوم الجمعة- ركب بأمر اللّه له، و أبو بكر ردفه، و أرسل إلى بني النجار- أخواله- فجاؤوا متقلدين سيوفهم، فسار نحو المدينة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي، و كانوا مائة رجل [٣].
الدخول في المدينة:
و بعد الجمعة دخل النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) المدينة- و من ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم)، و يعبر عنها بالمدينة مختصرا- و كان يوما تاريخيا أغر، فقد كانت البيوت و السكك ترتج بأصوات التحميد و التقديس، و كانت بنات الأنصار تتغنى بهذه الأبيات فرحا و سرورا [٤]:
أشرق البدر علينا* * * من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا* * * ما دعا للّه داع
أيها المبعوث فينا* * * جئت بالأمر المطاع
و الأنصار إن لم يكونوا أصحاب ثروات طائلة إلا أن كل واحد منهم كان يتمنى أن ينزل الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم) عليه. فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته: هلم إلى العدد و العدة و السلاح و المنعة، فكان يقول لهم: خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فلم تزل سائرة
[١] زاد المعاد ٢/ ٥٤، ابن هشام ١/ ٤٩٣، رحمة للعالمين ١/ ١٠٢.
[٢] هذا ما رواه ابن إسحاق، انظر ابن هشام ١/ ٤٩٤ و هو الذي اختاره العلامة المنصور فوري انظر رحمة للعالمين ١/ ١٠٢، و في صحيح البخاري أنه أقام بقباء أربعا و عشرين ليلة (١/ ٦١) و بضع عشرة ليلة (١/ ٥٥٥) و أربع عشر ليلة (١/ ٥٦٠) و هذا الأخير هو الذي اختاره ابن القيم، و قد صرح هو نفسه أن نزوله بقباء كان يوم الإثنين و خروجه يوم الجمعة و الخروج، و معهما لا يزيد على اثني عشر يوما إذا كان من أسبوعين.
[٣] صحيح البخاري ١/ ٥٥٥، ٥٦٠، زاد المعاد ٢/ ٥٥، ابن هشام ١/ ٤٩٤ رحمة للعالمين ١/ ١٠٢.
[٤] ذكر ابن القيم أن إنشاد هذه الأشعار كان عند مرجعه (صلّى اللّه عليه و سلم) من تبوك، و وهم من يقول: إنما كان ذلك عند مقدمة المدينة (زاد المعاد ٣/ ١٠) لكن ابن القيم لم يأت على هذا التوهم بدليل يشفي، و قد رجح العلامة المنصور فوري أن ذلك كان عند مقدمة المدينة، و معه دلائل لا يمكن ردها انظر رحمة للعالمين ١/ ١٠٦.