الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٣ - ٣- العرب المستعربة
و سياق القصة يدل على أنها وقعت قبل ميلاد إسحاق، لأن البشارة بإسحاق ذكرت بعد سرد القصة بتمامها.
و هذه القصة تتضمن رحلة واحدة- على الأقل- قبل أن يشب إسماعيل، أما الرحلات الثلاث الآخر فقد رواها البخاري بطولها عن ابن عباس مرفوعا [١] و ملخصها أن إسماعيل لما شب و تعلم العربية من جرهم، و أنفسهم و أعجبهم زوجوه امرأة منهم، و ماتت أمه، و بدا لإبراهيم أن يطالع تركته فجاء بعد هذا التزوج، فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه و عن أحوالهما، فشكت إليه ضيق العيش فأوصاها أن تقول لإسماعيل أن يغير عتبة بابه، و فهم إسماعيل ما أراد أبوه، فطلق امرأته تلك و تزوج امرأة أخرى، و هي ابنة مضاض بن عمرو، كبير جرهم و سيدهم [٢].
و جاء إبراهيم مرة أخرى بعد هذا التزوج الثاني فلم يجد إسماعيل فرجع إلى فلسطين بعد أن سأل زوجته عنه و عن أحوالهما فأثنت على اللّه، فأوصى إلى إسماعيل أن يثبت عتبة بابه.
و جاء مرة ثالثة فلقي إسماعيل و هو يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم فلما رآه قام إليه فصنع كما يصنع الوالد بالولد و الولد بالوالد، و كان لقاؤهما بعد فترة طويلة من الزمن، قلما يصبر فيها الأب الكبير الأواه العطوف عن ولده، الولد البار الصالح الرشيد عن أبيه و في هذه المرة بنيا الكعبة، و رفعا قواعدها، و أذّن إبراهيم في الناس بالحج كما أمره اللّه.
و قد رزق اللّه إسماعيل من ابنة مضاض اثني عشر ولدا ذكرا [٣] و هم: نابت أو بنالوط، قيدار، و أدبائيل، و مبشام، و مشماع، و دوما، و ميشا، و حدد، و يتما، و يطور، و نفيس، و قيدمان، و تشعبت من هؤلاء اثنتا عشرة قبيلة، سكنت كلها في مكة مدة، و كانت جل معيشتهم التجارة من بلاد اليمن إلى بلاد الشام و مصر ثم انتشرت هذه القبائل في أرجاء الجزيرة بل و إلى خارجها. ثم أدرجات أحوالهم في غياهب الزمان، إلا أولاد نابت و قيدار.
و قد ازدهرت حضارة الأنباط في شمال الحجاز، و كوّنوا حكومة قوية دان لها من بأطرافها، و اتخذوا البطراء عاصمة لهم، و لم يكن يستطيع مناوءتهم أحد حتى جاء الرومان فقضوا عليهم، و قد رجح السيد سليمان الندوي بعد البحث الأنيق و التحقيق الدقيق أن
[١] ج ١/ ٤٧٥- ٤٧٦.
[٢] قلب جزيرة العرب ص ٢٣٠.
[٣] نفس المصدر.