الرحيق المختوم - صفي الرحمن المباركفوري - الصفحة ١٢ - ٣- العرب المستعربة
و معلوم أن إبراهيم (عليه السلام) هاجر منها إلى حاران أو حران، و منها إلى فلسطين، فاتخذها قاعدة لدعوته، و كانت له جولات في أرجاء هذه البلاد و غيرها [١] و قدم مرة إلى مصر، و قد حاول فرعون مصر كيدا و سوءا بزوجته سارة و لكن اللّه ردّ كيده في نحره، و عرف فرعون ما لسارة من الصلة القوية باللّه، حتى أخدمها ابنته [٢] هاجر؛ اعترافا بفضلها، و زوّجتها سارة إبراهيم [٣].
و رجع إبراهيم إلى فلسطين، و رزقه اللّه من هاجر إسماعيل، و غارت سارة حتى ألجأت إبراهيم إلى نفي هاجر مع ولدها الصغير- إسماعيل- فقدم بهما إلى الحجاز، و أسكنهما بواد غير ذي زرع عند بيت اللّه المحرم الذي لم يكن إذ ذاك إلا مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه و شماله، فوضعهما عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، و ليس بمكة يومئذ أحد، و ليس بها ماء. فوضع عندهما جرابا فيه تمر، و سقاء فيه ماء، و رجع إلى فلسطين، و لم تمض أيام حتى نفد الزاد و الماء، و هناك تفجرت بئر زمزم بفضل اللّه، فصارت قوتا لهما و بلاغا إلى حين. و القصة معروفة بطولها [٤].
و جاءت قبيلة يمانية- و هي جرهم الثانية- فقطنت مكة بإذن من أم إسماعيل يقال:
إنهم كانوا قبل ذلك في الأودية التي بأطراف مكة. و قد صرحت رواية البخاري أنهم نزلوا مكة بعد إسماعيل، و قبل أن يشب، و أنهم كانوا يمرون بهذا الوادي قبل ذلك [٤].
و قد كان إبراهيم يرحل إلى مكة بين آونة و أخرى ليطالع تركته، و لا يعلم كم كانت هذه الرحلات، إلا أن المصادر التاريخية حفظت أربعة منها.
فقد ذكر اللّه تعالى في القرآن أنه أرى إبراهيم في المنام أنه يذبح إسماعيل، فقام بامتثال هذ الأمر فَلَمَّا أَسْلَما وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَ نادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ. وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:
١٠٣- ١٠٧].
و قد ذكر في سفر التكوين أن إسماعيل كان أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة،
[١] نفس المصدر ١/ ١٠٨.
[٢] المعروف أن هاجر كانت أمة مملوكة، و لكن حقق الكاتب الكبير العلامة القاضي محمد سليمان المنصور فوري أنها كانت حرة، و كانت ابنة فرعون. انظر رحمة للعالمين ٢/ ٣٦- ٣٧.
[٣] نفس المصدر ٢/ ٣٤ و انظر في تفصيل القصة: صحيح البخاري ١/ ٤٧٤.
[٤] انظر صحيح البخاري، كتاب الأنبياء ١/ ٤٧٤- ٤٧٥.