العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٤٩ - من سمع صوتا فوافقه معناه فاستخفه الطرب
قلق لم يزل و صبر يزول # و رضا لم يطل و سخط يطول
لم تسل دمعتي عليّ من الرّحمة حتى رأيت نفسي تسيل
جال في جسمي السّقام فجسمي # مدنف ليس فيه روح تجول [١]
ينقضي للقتيل حول فينسى # و أنا فيك كلّ يوم قتيل
ثم سكت و غنى زنين:
ليس إلى تركك من حيلة # و لا إلى الصبر لقلبي سبيل
فكيفما شئت فكن سيدي # فإنّ وجدي بك وجد طويل
إن كنت أزمعت على هجرنا # فحسبنا اللّه و نعم الوكيل
قال أبو عكرمة: فأقبل أبو عيسى على المسدود فقال له غنّ صوتا. فغنى:
يا لجّة الدمع هل للدّمع مرجوع # أم الكرى من جفون العين ممنوع [٢]
ما حيلتي و فؤادي هائم أبدا # بعقرب الصّدغ من مولاى ملسوع
لا و الذي تلفت نفسي بفرقته # فالقلب من حرّق الهجران مصدوع
ما أرّق العين إلا حبّ مبتدع # ثوب الجمال على خدّيه مخلوع
قال أبو عكرمة: فو اللّه الذي لا إله إلا هو، لقد حضرت من المجالس ما لا أحصي، فما رأيت مثل ذلك اليوم. ثم إن أبا عيسى أمر لكل واحد بجائزة و انصرفنا، و لو لا أن أبا عيسى قطعهم ما انقطعوا.
من سمع صوتا فوافقه معناه فاستخفه الطرب
حكي عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي عن أبيه قال: دخلت على هارون الرشيد فلما رأيته قد أخذ في حديث الجواري و غلبتهنّ على الرجال، غنيته بأبيات التي يقول فيها:
[١] المدنف: الذي اشتد مرضه و أشفى على الموت.
[٢] الكرى: النعاس.