العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٤٣ - المسدود و زنين و دبيس
و تمّ في الحسن و التامت محاسنه # و مازجت بدعا فيها غرائبه
و أشرق الورد في نسرين وجنته # و اهتزّ أعلاه و ارتجّت حقائبه [١]
كلمته بجفون غير ناطقه # فكان من ردّه ما قال حاجبه
ثم سكت، فغنى زنين:
الحبّ حلو أمرّته عواقبه # و صاحب الحبّ صبّ القلب ذائبه [٢]
أستودع اللّه من بالطّرف ودّعني # يوم الفراق و دمع العين ساكبه
ثم انصرفت وداعي الشوق يهتف بي # ارفق بقلبك قد عزّت مطالبه
و قال:
و عاتبته دهرا فلما رأيته # إذا ازداد ذلا جانبي عز جانبه
عقدت له في الصدر منّي مودّة # و خلّيت عنه مبهما لا أعاتبه
ثم سكت، فغنى دبيس:
بدر من الإنس حفّته كواكبه # قد لاح عارضه و اخضرّ شاربه
إن يوعد الوعد يوما فهو مخلفه # أو ينطق القول يوما فهو كاذبه
عاطيته كدم الاوداج صافية # فقام يشدو و قد مالت جوانبه [٣]
قال أبو عكرمة: فعجبت أنهم غنّوا بلحن واحد و قافية واحدة.
قال أبو عيسى: يعجبك من هذا شيء يا أبا عكرمة؟فقلت: يا سيدي المنى دون هذا. ثم إن القوم غنّوا على هذا إلى انقضاء المجلس: إذا ابتدأ المسدود تبعه الرجلان بمثل ما غنى؛ فكان مما غنى المسدود:
يا دير حنّة من ذات الأكيراح # من يصح عنك فإني لست بالصّاحي [٤]
[١] الحقائب: جمع حقيبة، و هو العجز.
[٢] الصبّ: العشق الشديد.
[٣] الودج: المتواصل، و الذي في منزلة الأخ.
[٤] الاكيراح: موضع بظاهر الكوفة.