العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣١٣ - الهدايا
هذه أيام جرت فيها العادة، بإلطاف العبيد للسادة، و إن كانت البضاعة تقصّر عما تبلغه الهمة، فكرهت أن أهدي فلا أبلغ مقدار الواجب: فجعلت هديتي هذه الأبيات، و هي:
و لمّا أن رأيت ذوي التصابي # تباروا في هدايا المهرجان
جعلت هديّتي ردّا مقيما # على مرّ الحوادث و الزمان
و عبدا حين تكرمه ذليلا # و لكن لا يقرّ على الهوان [١]
يزيدك حين تعطيه خضوعا # و يرضى من نوالك بالأماني! [٢]
و أهدى أبو العتاهية إلى بعض الملوك نعلا و كتب معها:
نعل بعثت بها لتلبسها # رجل بها تسعى إلى المجد
لو كان يصلح أن أشرّكها # خدّي جعلت شراكها خدّي [٣]
و أهدى عليّ بن الجهم كلبا، و كتب:
استوص خيرا به، فإن له # عندي يدا لا أزال أحمدها
يدلّ ضيفي عليّ في غسق الليـ # ل إذا النار نام موقدها
أهدى أحمد بن يوسف ملحا مطيّبا إلى إبراهيم بن المهدي، و كتب إليه:
الثقة بك سهّلت السبيل إليك، فأهديت هدية من لا يحتشم، إلى من لا يغتنم.
و أهدى إبراهيم بن المهدي إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي جراب ملح و جراب أشنان [٤] ، و كتب إليه:
لو لا أن القلة قصّرت عن بلوغ الهمة لأتعبت السابقين إلى برّك، و لكن البضاعة قعدت بالهمة، و كرهت أن تطوى صحيفة البر، و ليس لي فيها ذكر؛ فبعت بالمبتدإ به
[١] يقر: يقيم و يستقر.
[٢] الأماني: جمع أمنية.
[٣] الشراك: سير النعل.
[٤] أشنان: نبت من الحمض تغسل به الأيدي.