العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٣٠٠ - للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم في السنا
و قال بعض الحكماء: لا ينبغي للعاقل أن يخلي نفسه من ثلاث في غير إفراط:
الأكل، و المشي، و الجماع؛ فأما الأكل، فإن الأمعاء تضيق لتركه؛ و أما المشي، فإن من لم يتعاهده أوشك أن يطلبه فلا يجده؛ و أما الجماع، فإنه كالبئر، إن نزحت جمّت [١] ، و إن تركت يخثر [٢] ماؤها. و حق هذا كله القصد فيه.
و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: «من استقل برأيه فلا يتداوى، فربّ دواء يورث الداء» .
و قالت الحكماء: إياك و شرب الدواء ما حملتك الصحة.
و قالوا: مثل الدواء في البدن مثل الصابون في الثوب: ينقيه و يخلقه.
الأصمعي عن رجل عن عمه، قال: لقيت طبيب كسري شيخا كبيرا قد شدّ حاجبيه بخرقة، فسألته عن دواء المشي [٣] ، فقال: سهم يرمى به في جوفك أصاب أم أخطأ.
و في كتاب التفصيل للهند: الدواء من فوق، و الدواء من تحت، و الدواء لا من فوق و لا من تحت.
تفسيره: من كان داؤه فوق سرته سقي الدواء، و من كان داؤه تحت سرته حقن بالدواء، و من لم يكن له داء لا من فوق و لا من تحت لم يسق الدواء و لم يحقن به.
للنبي صلّى اللّه عليه و سلّم في السنا
و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم لأسماء بنت عميس: بم كنت تستمشين في الجاهلية؟قالت:
بالشبرم [٤] . قال: حار حار. ثم قالت: استمشيت بالسنا [٥] . قال: لو أن شيئا يرد القدر لردّه السنا.
و من حديث أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم خرج عليهم و هم يتذاكرون الكمأة و يقولون
[١] جمت: كثر ماؤها.
[٢] الخثورة: نقيض الرقة.
[٣] المشى: استطلاق البطن.
[٤] الشبرم: ضرب من الشيح. و قيل ضرب من النبات.
[٥] السنا: نبات شجيري من الفصيلة القرنية. يتداوى بورقه و ثمره و اجوده الحجازي و يعرف بالسنار المكي.