العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٢٣ - رسالة سهل بن هارون في البخل
أعيب العيب أن تعيب ما ليس بعيب، و قبيح أن تنهي مرشدا و أن تغري بمشفق.
و ما أردنا بما قلنا إلا هدايتكم و تقويمكم، و إصلاح فاسدكم، و إبقاء النعمة عليكم، و لئن أخطأنا سبيل إرشادكم فما أخطأنا سبيل حسن النية فيما بيننا و بينكم؛ و قد تعلمون أنا ما أوصيناكم إلا بما اخترناه لكم، و لأنفسنا قبلكم و شهرنا به في الآفاق دونكم؛ ثم نقول في ذلك ما قال العبد الصالح لقومه: وَ مََا أُرِيدُ أَنْ أُخََالِفَكُمْ إِلىََ مََا أَنْهََاكُمْ عَنْهُ، إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ اَلْإِصْلاََحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَ مََا تَوْفِيقِي إِلاََّ بِاللََّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ [١] ؛ فما كان أحقنا بكم في حرمتنا بكم أن ترعوا حقّ قصدنا بذلك إليكم على ما رعيناه من واجب حقكم، فلا العذر المبسوط بلغتم و لا بواجب الحرمة قمتم، و لو كان ذكر العيوب برّا و فخرا لرأينا في أنفسنا عن ذلك شغلا.
عبتموني بقولي لخادمي: أجيدي العجين، فهو أطيب لطمعه، و أزيد في ريعه؛ و قد قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: أملكوا [٢] العجين، فإنه أحد الريعين.
وعبتموني حين ختمت على سدّ عظيم [٣] ، و فيه شيء ثمين من فاكهة رطبة نفيسة؛ و من رطبة غريبة، على عبد نهم، و صبيّ جشع، و أمة لكعاء، و زوجة مضيعة؛ و ليس من أصل الأدب، و لا في ترتيب الحكم، و لا في عادة القادة، و لا في تدبير السادة، أن يستوي في نفيس المأكول، و غريب المشروب، و ثمين الملبوس، و خطير المركوب- التابع و المتبوع، و السيد و المسود؛ كما لا تستوي مواضعهم في المجالس، و مواقع أسمائهم في العنوان؛ و من شاء أطعم كلبه الدجاج السمين، و علف حماره السمسم المقشّر! فعبتموني بالختم، و قد ختم بعض الأئمة على مزود سويق، و على كيس فارغ،
[١] سورة هود الآية ٨٨.
[٢] ملكوا العجين: أنعموا عجنه.
[٣] السد: سلة تتخذ من قضبان، لها أطباق.