العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٣ - من أخبار عليان
فقال المأمون: ما أسرع ما آمنت به!قال: و أنت يا أمير المؤمنين ما أهون عليك أن تتناول امرأتي على فراشك!فضحك المأمون و أطلقه.
أخبار الممرورين و المجانين
من أخبار عليان
قال أبو الحسن: كان بالبصرة ممرور يقال له عليان بن أبي مالك، و كانت العلماء تستنطقه لتسمع جوابه و كلامه، و كان راوية للشعر بصيرا بجيده؛ فذكر عن عبد اللّه ابن إدريس صاحب الحديث.
قال[ابن إدريس]: أخرجه الصبيان مرة حتى هجم علينا في الدار؛ فقال لي الخادم: هذا عليان قد هجم علينا، و الصبيان في طلبه. فقلت: ادفع الباب في وجوه الصبيان، و أخرج إليه طعاما و طبقا عليه رطب مشان [١] و ملبقات [٢] و أرغفة. فلما وضعه بين يديه حمد اللّه و أثنى عليه، و قال: هذا رحمة اللّه-و أشار إلى الطعام-كما أن أولئك من عذاب اللّه-و أشار إلى الصبيان-ثم جعل يأكل و الصبيان يرجمون الباب، و هو يقول: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بََابٌ بََاطِنُهُ فِيهِ اَلرَّحْمَةُ وَ ظََاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ اَلْعَذََابُ [٣] !قال: ابن إدريس: فلما انقضى طعامه قلت له يا عليان، مالك تروي الشعر و لا تقوله؟قال: إني كالمسنّ: أشحذ و لا أقطع!و كان بصيرا بالشعر، فقلت:
أي بيت تقوله العرب أشعر؟قال: البيت الذي لا يحجب عن القلب. قلت: مثل ما ذا؟قال: مثل قول جميل:
ألا أيّها النّوّام ويحكم هبّوا # أسائلكم: هل يقتل الرجل الحبّ؟
قال: فأنشد النصف الأول بصوت ضعيف، و أنشد النصف الآخر بصوت رفيع؛
[١] مشان: نوع من التمر.
[٢] الملبق: الشديد التثريد الملين بالدسم.
[٣] سورة الحديد الآية ١٣.