العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١١ - للحسن البصري
يغنيهم؟قالوا: بالشعر. قال: فكيف يقول؟فقال له فتى من تلاميذه: يقول:
أطوّف بالبيت مع من يطوف # و أرفع من مئزري المسبل
قال: بارك اللّه عليه، ما أحسن ما قال!قال: ثم ما ذا؟قال:
و أسجد بالليل حتى الصباح # و أتلوا من المحكم المنزل
قال: و أحسن أيضا، أحسن اللّه إليه، ثم ما ذا؟قال:
عسى فارج الهمّ عن يوسف # يسخّر لي ربّة المحمل
قال: أمسك!أمسك!أفسد آخرا ما أصلح أوّلا!أ لا ترى سفيان بن عيينة رحمه اللّه حسّن الحسن من قوله و قبّح القبيح؟.
و كره الغناء قوم على طريق الزهد في الدنيا و لذاتها، كما كره بعضهم الملاذّ و لبس العباءة، و كره الحوّاريّ [١] ، و أكل الكشكار، و ترك البرّ و أكل الشعير، لا على طريق التحريم، فإنّ ذلك وجه حسن و مذهب جميل؛ فإنما الحلال ما أحل اللّه و الحرام ما حرّم اللّه. يقول اللّه تعالى وَ لاََ تَقُولُوا لِمََا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ اَلْكَذِبَ هََذََا حَلاََلٌ وَ هََذََا حَرََامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ، إِنَّ اَلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ لاََ يُفْلِحُونَ [٢] .
و قد يكون الرجل أيضا جاهلا بالغناء او متجاهلا به، فلا يأمر به و لا ينكره.
للحسن البصري
قال رجل للحسن البصري: ما تقول في الغناء يا أبا سعيد؟قال: نعم العون الغناء على طاعة اللّه، يصل الرجل به رحمه، و يواسي به صديقه. قال الرجل: ليس عن هذا أسألك. قال: و عمّ سألتني؟قال: أن يغني الرجل. قال: و كيف يغني؟فجعل الرجل يلوي شدقيه و ينفخ منخريه؛ قال الحسن: و اللّه يا ابن أخي ما ظننت أنّ عاقلا يفعل هذا بنفسه أبدا!و إنّما أنكر عليه الحسن تشويه وجهه و تعويج فمه؛ و إن كان أنكر
[١] الحواري: لباب الدقيق.
[٢] سورة النحل الآية ١١٦.