رسائل أصولية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٩ - هل العرف من مصادر التشريع؟
و أمّا ما استدلّ به على اعتبار عرف العقلاء بأنّ النبي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) أمضى ما سنّه عبد المطلب في دية الإنسان، أو أمضى أنّ الدية على العاقلة، فهو و إن كان صحيحاً، لكنّه (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) في مقابل الأخذ بهذين ألغى عامّة الأعراف السائدة في الجاهلية و سننها، و جعلها تحت قدميه و استثنى القليل منها، فهو كان أشبه بالتخصيص الأكثر فالأكثر كما قال في خطبة حجة الوداع: و إنّ دماء الجاهلية موضوعة، و إنّ أوّل دم ابدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، و إنّ مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة و السقاية و السعاية. [١]
على أنّه (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) لمّا كان عالماً بملاكات الأحكام- حيث تعلّم من عند اللّه ما تعلّم على وجه وصف سبحانه علمه بالعظمة و قال: (وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) [٢]- ميّز الصالح عن غيره، و الصحيح عن الفاسد، فأعطى ما هو لصالح الأُمّة و ألغى ما كان فاسداً و مفسداً، و أين علمه (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) من غيره الّذي وصفه اللّه سبحانه بقوله: (وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [٣]؟!
هذا كلّه يرجع إلى الاستدلال بإمضاء دية النفس أو كون الدية على العاقلة.
ثمّ إنّه استدلّ- كما مرّ- بإمضاء عادتين مع كونهما مخالفتين لأُصول الشرع، ألا و هما:
١. أمضى النبي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) بيع السلم مع أنّه من أقسام بيع المعدوم.
٢. أمضى النبي (صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم) بيع العرايا، أي بيع الرطب على النخل بالتمر الجافّ، مع أنّهما من المتجانسين اللّذين لا يجوز فيهما التفاضل، مع وجوده في هذا النوع من البيع.
[١]. السيرة النبوية: ٢/ ٦٠٣- ٦٠٤؛ تحف العقول: ٢٩.
[٢]. النساء: ١١٣.
[٣]. الإسراء: ٨٥.