تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٠٠ - ٥٧٨ ـ آدم نبي الله
قوله تعالى : (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ)[١] قال : وكانت السجدة لآدم والطاعة لله ، وحسده عدوّ الله إبليس على ما أعطاه الله من الكرامة ، فقال : أنا ناريّ وهو طينيّ [٢].
قوله عزوجل : (قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ)[٣] قال : ابتلى الله آدم كما ابتلى الملائكة قبله ، وكل شيء خلق مبتلى ولم يدع الله شيئا من خلقه إلّا ابتلاه بالطاعة ، كما ابتلى السماء والأرض بالطاعة فقال لهما : (ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ، قالَتا : أَتَيْنا طائِعِينَ)[٤] قال : ابتلى الله آدم فأسكنه الجنة يأكل منها رغدا حيث شاء ، ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها وقدم إليه منها فما زال به البلاء حتى وقع بما نهي عنه فبدت له سوأته عند ذلك ، وكان لا يراها ، فأهبط من الجنة.
قوله عزوجل : (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ)[٥] قال : ذكر لنا أنه قال : يا ربّ أرأيت أن تبت وأصلحت ، قال : فإني إذا أرجعك إلى الجنّة قال : (قالا : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ)[٦] فاستغفر آدم ربه وتاب إليه فتاب عليه (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)[٧] وأما عدو الله إبليس فو الله ما تنصّل من ذنبه ولا سأل التوبة حين وقع بما وقع ، ولكنه سأل النظرة إلى يوم الدّين ، فأعطى الله كل واحد منهما ما سأل.
أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل ـ في كتابه ـ أنا أبو بكر
[١] سورة البقرة ، الآية : ٣٠.
[٢] قال القرطبي في أحكامه ٧ / ١٧١ فإن الطين أفضل من النار من وجوه أربعة :
ـ إن من جوهر الطين الرزانة والسكون والوقار والأناة والحلم والحياء والصبر ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والارتفاع والاضطراب.
ـ إن الخبر ناطق بأن تراب الجنة مسك أذفر ولم ينطق الخبر بأن في الجنة نارا.
ـ إن النار سبب العذاب.
ـ إن الطين مستغن عن النار ، والنار محتاجة إلى المكان ومكانها التراب.
[٣] سورة البقرة ، الآية : ٣٣.
[٤] سورة فصلت ، الآية : ١١.
[٥] سورة البقرة ، الآية : ٣٧.
[٦] سورة الأعراف ، الآية : ٢٣.
[٧] سورة البقرة ، الآية : ٣٧.