تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٩١ - ٥٥٢ ـ إبراهيم ، أبو إسحاق ابن النائحة ، الشاعر
ـ أيد الله الأمير ـ أن رجلا من الممتحنين ممن تولّت عنه الدنيا [١] ، وزالت عنه النّعمة ولحقته النّحوس وساءت حاله ، ورثّت ثيابه وشعث شعره ، وكثر سهره ، وقلّ فرحه ، فوجد درهما فقال : آخذ شعري وأغسل ثوبي وأدخل الحمام ، فكسر الدّرهم بأربعة ، وجعله في جيبه ومضى يغسل ثوبه ، فسقطت القطع من جيبه ، ولم يبق منها إلّا [٢] قطعة واحدة ، فرجع واجتاز في طريقه بحمّام فدخله ، وأعطى القطعة فلما دخل الحمام نام فيه ، وقصد ذلك الحمّام رجل من الأغنياء ذو حشم وغلمان ، فدخل الحمام وليس فيه إلّا هذا النائم ، فأراد الغلمان طرده فنهاهم عنه ، وقال : دعوه ، فلما انتبه الرجل استحيا وأراد الخروج فدعاه الرجل إليه وخاطبه وكلّمه ، فإذا رجل أديب جميل متكلم فهم ظريف ، قد كملت فيه الأخلاق الشريفة إلّا أنه فقير لا شيء له ، وإذا بالرجل الغني صاحب الحشم ، رجل قصير أعور مقطوع الأذنين أحدب فعجب من نفسه وحاله ، ومن الرجل.
فأمر الرجل غلمانه فغسلوا رأسه ، ودعا بمزيّن فأخذ شعره ودعا له بثياب جدد فلبسها وحمله معه إلى منزله ، وقدّم له طعاما سريا فأكل معه وأمر له بمائة دينار ، وقال له : قد أجريت لك في كل شهر عشرة دنانير ، وتأكل معي وتشرب ، وأكسوك كسوة الشتاء والصيف ، فقال له : يا سيدي أريد أن تحدّثني ما الذي كان بسببه قطع أذناك وقلعت عينك ، وما هذه الحدبة التي في ظهرك؟ فقال له الرجل : يا هذا وأيش سؤالك عما لا يعنيك إله عن هذه ، قال : لا بد أن تحدّثني ، قال : يا هذا إن هذا الذي تسألني عنه شيء ما حدّثت به أحدا قط ، ولا جسر أحد يسألني عنه غيرك ، وأنا الذي جلبت لنفسي هذه البلية بإدخالك منزلي ، فقم عافاك الله وانصرف.
فقال : لا والله لا برحت أو تحدّثني ، فقال : يا هذا اختر مني خصلة من اثنتين ، إما أن تنصرف وقد سوّغتك ما وهبت لك ، وإما أن أحدّثك وآخذ منك كلما أعطيتك ، وألبسك خلقك وأضربك مائة عصا تأديبا لك فقال : يا سيدي ، خذ مني واعمل بي ما شئت بعد ذلك ، فقال للغلمان اعتزلوا ، ثم أنشأ يحدّثني فقال : كانت لي ابنة عمّ جميلة غنية موسرة عظيمة اليسار ، فخطبتها فلم ترغب فيّ لدمامتي وفقري ، فوجهت إليها : يا
[١] مطموسة بالأصل والمثبت عن م.
[٢] مطموسة بالأصل والمثبت عن م.