تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٨٠ - ٤٩٧ ـ إبراهيم بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس ابن عبد المطّلب ، أبو إسحاق ، المعروف بابن شكلة الهاشمي
ويقبل عليّ بالحديث ، وجعلوا [١] لا يشكّون أن ذلك منه لي عن معرفة متقدمة ، وإنما ذلك الفعل كان منه لما ظن أني منهما بسبيل ، حتى إذا شربنا أقداحا خرجت علينا جارية ـ يا أمير المؤمنين ـ كأنها غصن بان تتثنى ، فأقبلت تمشي ، فسلّمت غير خجلة ، وثنيت لها وسادة فجلست وأتي بعود فوضع في حجرها ، فجسّته ، فاستنبأت في جسّها حذقها ثم اندفعت تغنّي وتقول [٢] :
| توهّمها طرفي فأصبح خدّها [٣] | وفيه مكان الوهم من نظري أثر | |
| وصافحها قلبي فآلم كفّها | فمن مسّ قلبي في أناملها عقر [٤] |
فهيّجت ـ يا أمير المؤمنين ـ بلابلي ، وطربت بحسن شعرها وحذقها ، ثم اندفعت تغنّي :
| أشرت إليها : هل عرفت مودّتي؟ | فردّت بطرف العين : إني على العهد | |
| فحدت عن الإظهار عمدا لسرّها | وحادت عن الإظهار أيضا على عمد [٥] |
فصحت : السلامة ، يا أمير المؤمنين ، وجاءني من الطّرب ما لم أملك نفسي ، ثم اندفعت تغنّي الصوت الثالث :
| أليس عجيبا أن بيتا يضمّني | وإيّاك لا نخلو ولا نتكلم | |
| سوى أعين تشكو الهوى بجفونها | وتقطيع [٦] أنفاس على الناي تضرم | |
| إشارة أفواه وغمز حواجب | وتكسير أجفان وكفّ تسلّم |
فحسدتها يا أمير المؤمنين على حذقها وإصابتها معنى الشعر ، أنها لم تخرج من
[١] عند المسعودي : والرجلان لا يشكان.
[٢] الأبيات لأبي نواس ديوانه ص ٧٣٠ والأغاني ٥ / ٢٢٨ ومروج الذهب ٤ / ١٣.
[٣] صدره في الديوان :
توهمه قلبي فأصبح خده
[٤] في الديوان :
| وصافحه قلبي فآلم كفه | فمن غمز قلبي في أنامله عقر |
وقبله في الديوان :
| ومرّ بفكري خاطرا فجرحته | ولم أر جسما قط يجرحه الفكر |
[٥] مروج الذهب ٤ / ١٣.
[٦] في مروج الذهب : وترجيع أحشاء على النار تضرم.