تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١١٠ - ٤٧٩ ـ إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمويه أبو القاسم الصوفي الواعظ النصرآباذي
أبا عبد الرّحمن ، ربما أسمع شيئا من جمّال أو غيره حكمة ، أثبته كي لا أنسى.
قال : وكان سنة من السنين قحط ، فخرج الناس إلى الاستسقاء [١] إلى المصلّى ، فلما ارتفع النهار جاء غبار وريح وظلمة لا يستطيع أن يرى أحد أحدا [٢] من شدة الغبار ونحن مع الأستاذ أبي القاسم ، فقال لنا الأستاذ : جئنا بأبدان مظلمة وقلوب غافلة ، ودعاء بلسان مثل الريح ، فنحن نكيل ريحا فيكال علينا ريح.
فلما كان الغد خرج وكان فقيرا ليس وراءه دنيا ، ولكن له جاه عند الناس ، فدخل عليه أبناء الدنيا وأخذ منهم شيئا ، وأمر بشراء بقرة وكثير من لحم الغنم والأرز ، وآلات الحلواء ، وأمر مناديا في البلد : ألا من كان له حاجة في الخبز واللحم والحلوى ، فليمض غدا [إلى][٣] المصلّى.
وأمر بالمراجل حتى حملت إلى المصلّى فلما كان [الغد][٤] خرجنا معه وأمر بطبخ المرقة والأرز والحلواء ، وجاءوا بخبز كثير ، وجاء الفقراء من الرجال والنساء والصبيان وأكلوا وحملوا إلى وقت العصر ، فلما صلّينا العصر إذا في قطعة سحاب ، فقال لنا : شمّروا حتى نرجع فجاء الحمّالون فأخذوا الآلات ورجعوا وأصحابه معهم ، وبقي هو وأنا معه وهو صائم وأنا أيضا لأجل موافقته ، فرجعنا فلما بلغنا إلى محلة جودي [٥] كان قريبا من صلاة المغرب ، فمطرنا مطرا لا نستطيع المضيّ بحال ، فطلبنا مسجدا فدخلناه ، وجاء المطر كأفواه القرب ، والمسجد يكفّ بالمطر ، وفي جداره محراب ، فدخل الأستاذ المحراب وصلّينا ، وأنا في زاوية في المسجد ، وقال : لعلك جائع تريد أن أطلب من الأبواب كسرة حتى تأكل؟ فقلت : معاذ الله ، أنا ساكن. قال غدا لناظريه قريب ، وكان يترنم مع نفسه [٦] :
| خرجوا ليستسقوا [٧] فقلت لهم : قفوا | دمعي ينوب لكم عن الأنواء |
[١] بالأصل «الاستقاء» والصواب عن م.
[٢] بالأصل «أحد» والصواب ما أثبت عن م.
[٣] زيادة لازمة وفي م : فليحضر غدا المصلى.
[٤] زيادة عن مختصر ابن منظور ٤ / ١٠٩.
[٥] كذا ، ولم أجدها ، ولعلها إحدى محالّ نيسابور ، (عن هامش المختصر).
[٦] البيتان في السير ١٦ / ٢٦٦ وطبقات الأولياء لابن الملقن ص ٢٨.
[٧] بالأصل «ليستقوا» والمثبت عن م وسير الأعلام.